وإن قلتم: بل كان ذلك كلُّه بعلمه ومشاهدته واطِّلاعه عليه، فلا يخلو إمَّا أن يكون قادرًا على تغييره والأخذ على يديه ومنعه من ذلك، أو لا:
فإن لم يكن قادرًا فقد نسبتموه إلى أفجع١ العجز المنافي للربوبية، وإن كان قادرًا وهو مع ذلك يعزُّه وينصره ويؤيِّده ويُعْلِيه ويُعْلي كلمته ويجيب دعاءَه ويمكِّنه من أعدائه ويُظْهِر على يديه من أنواع المعجزات والكرامات ما يزيد على الألف، ولا يقصده أحد بسوءٍ إلا أظْفَرَه به ولا يدعوه بدعوة إلا استجابها له، فهذا من أعظم الظلم والسَّفَه الذي لا يليق نسبته إلى آحاد العقلاء فضلًا عن ربّ الأرض والسماء، فكيف وهو يشهد٢ له بإقراره على دعوته وبتأييده وبكلامه وهذه عندكم شهادة زور وكذب!
فلما سمع ذلك قال: معاذ الله أن يفعل الله هذا بكاذبٍ مفترٍ، بل هو نبيٌّ صادق، مَنِ اتَّبعه أفْلحَ وسَعِد.
قلت: فمالك لا تدخل في دينه؟
قال: إنما بعث إلى الأميين الذين لا كتاب لهم، وأما نحن فعندنا كتاب نتَّبعه.
قلت له: غُلِبْتَ كل الغَلَب، فإنه قد علم الخاصُّ والعام أنّه أخبر أنَّه رسول الله إلى جميع الخلق، وأنّ من لم يتَّبِعْه فهو كافرٌ من أهل الجحيم، وقاتلَ اليهودَ والنصارى وهم أهلُ كتاب، وإذا صحَّتْ رسالته وَجَبَ
(١) في "غ": "أقبح".
(٢) في "غ": "شهد".
تصديقُه في كلِّ ما أخبر به، فأمسك ولم يُحِرْ جوابًا.
وقريب من هذه المناظرة ما جرى لبعض علماء المسلمين مع بعض اليهود ببلاد المغرب١. قال له المسلم: في التوراة التي بأيديكم إلى اليوم أن الله قال لموسى: "إني أُقيم لبني إسرائيل من إخوتهم نبيًّا مثلك أجعل كلامي على فيه، فمن عصاه انتقمت منه".
قال له اليهودي: ذلك يوشع بن نون.
فقال المسلم: هذا محال من وجوهٍ:
(أحدها) أنه قال عندك في آخر التوراة: "إنه لا يقوم في بني إسرائيل نبيٌّ مثل موسى".
(الثاني) أنه قال: "من إخوتهم". وإخوة بني إسرائيل إمَّا العربُ وإمّا الرُوم، فإنَّ العرب بنو إسماعيل، والروم بنو العيص، وهؤلاء إخوة بني إسرائيل. فأمَّا الروم فلم يقم منهم نبيٌّ سوى أيوب، وكان قبل موسى، فلا يجوز أن يكون هو الذي بشَّرت به التوراة، فلم يبق إلا العرب وهم بنو إسماعيل، وهم إخوة بني إسرائيل، وقد قال الله في التوراة حين ذكر إسماعيل جدَّ العرب: "إنه يضع فسطاطه في وسط بلاد إخوته" وهم بنو إسرائيل. وهذه بشارة بنبوة ابنه محمَّدٍ الذي نصب فسطاطه وملك أمته في وسط بلاد بني إسرائيل، وهي الشام التي هي مظهر ملكه كما تقدم من قوله: "وملكه بالشام".
(١) لعلها مناظرة أبي عبيدة الخزرجي في كتابه: بين الإسلام والمسيحية، ص (٢١٤) وما بعدها، فإن فحوى هذا الكلام فيها.