هداية الحيارى

أهل الأرض، كِتابِيِّهِم وأُمّيِّهِم، ونصَّ الله في التوراة على أنّه يقيمه لهم لئلا يظنوا١ أنَّه مرسل إلى العرب والأميِّين خاصة٢، والشيء يُخَصُّ بالذكر لحاجة المخاطب إلى ذِكْره لئلا يتوهم السامع أنّه غير مرادٍ باللفظ العام ولا داخلِ فيه، وللتنبيه على أنَّ ما عداه أولى بحكمه، ولغير ذلك من المقاصد، فكان في تعيين بني إسرائيل بالذكر إزالة لوهم من توهم أنه مبعوث إلى العرب خاصة، وقد قال تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [السجدة: ٣، القصص: ٤٦]. وهؤلاء قومه ولم يَنْفِ ذلك أن يكونَ نذيرًا لغيرهم، فلو أمكنك أن تذكر عنه أنه ادَّعى أنه رسول إلى العرب خاصة لكان ذلك حجة، فأما وقد نطق كتابُه، وعرف الخاصُّ والعامُّ بأنه ادَّعى أنه مرسل إلى بني إسرائيل وغيرهم فلا حجة لك.

قال اليهوديُّ: إن أسلافنا من اليهود كلّهم على أنه ادَّعى ذلك، ولكن العيسوية منا تزعم أنه نبيُّ العرب خاصة، ولسنا نقول بقولهم. ثم التفت إلى يهوديٍّ معه فقال: نحن قد جرى شأننا على اليهودية، وتالله ما أدري كيف التخلُّص من هذا العربي، إلا أنه أقل ما يجب علينا أن نأخذ به أنفسنا النهي عن ذِكْره بسوء.

وقال محمد بن سعد في "الطبقات": حدَثنا مَعْنُ بنُ عيسى، حدَّثنا معاوية٣ بن صالح، عن أبي فَرْوَةَ، عن ابن عباس أنه سأل كَعْبَ الأحبار: كيف تجد نَعْتَ رسولِ الله ﷺ في التوراة؟ قال: نجده: "محمد بن عبد الله، مولده بمكة، ومُهَاجَره إلى طابة، ويكون مُلْكُه

  1. (١) في "د": "يتوهموا".
  2. (٢) ساقطة من "ج".
  3. (٣) في "ج": "معونة"، تصحيف عن "معوية".
204

بالشام، ليس بفحَّاش ولا صخَّاب بالأسواق، ولا يكافئ السيئةَ بالسيئةِ، ولكن يعفو ويصفح"١.

وقال عبد الله بن عبد الرحمن الدَّارميُّ: حدَّثنا الحسن بن الرَّبيع، حدثنا أبو الأحْوَص، عن الأعْمَشِ، عن أبي صالحٍ قال: قال كعب: نجد مكتوبًا في التوراة٢: "محمد رسول الله لا فظ ولا غليظ، ولا صخَّاب بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، وأمّتُه الحمَّادون يكبرون الله على كل نجد، ويحمدونه في كلِّ منزلة، ويأتزرون على أنصافهم، ويتوضؤون على أطرافهم، مناديهم ينادي في جو السماء، صفُّهم في القتال وصفُّهم في الصلاة (سواءٌ، لهم)٣ دويٌّ كدوي النحْل، مولده بمكة، ومهاجره بطابة، وملكه بالشام"٤.

قال الدارمي: وأخبرنا زيد بن عوف، حدَّثنا أبو عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن ذَكْوَان أبي صالحٍ، عن كعب قال: في السطر الأول: "محمد رسول الله، عبدي المختار، لا فظٌّ ولا غليظ، ولا صخَّاب بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، مولده بمكة، وهجرته بطيبة، وملكه بالشام".

وفي السطر الثاني: "محمد رسول الله، أمتُه الحمَّادون، يحمدون الله في كل حال ومنزلة، ويكبِّرونه على كلِّ شَرَفٍ، رعاة الشمس،

  1. (١) "طبقات ابن سعد": (١/ ٣٦٠).
  2. (٢) من "د".
  3. (٣) في "غ": "وسؤالهم".
  4. (٤) أخرجه الدارمي في المقدمة، باب صفة النبيِّ ﷺ في الكتب قبل مبعثه: (١/ ٤ - ٥).
205

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي