قال أبي: فخرجت حتى جئت يهود بني قريظة فتذاكروا النبيَّ ﷺ، فقال الزبير بن باطا: قد طلع الكوكب الأحمر الذي لم يطلع إلا بخروج نبيٍّ وظهوره، ولم يبقَ أحدٌ إلا أحمد١، هذه مهاجره.
قال أبو سعيد: فلما قَدِمَ رسولُ الله ﷺ المدينةَ أَخبره أبي هذا الخبر، فقال النبيُّ ﷺ: "لو أسلم الزبير وذووه من رؤساء يهود لأسلمتْ يهودُ كلُّها إنما هم لهم تَبَعٌ"٢.
وقال النَّضْر بنُ سلمةَ: حدَّثنا يحيى بن إبراهيم، عن صالح بن محمد، عن أبيه، عن عاصم بنِ عمرَ بن قتادةَ، عن محمود بن لبيد، عن محمد بن مَسْلَمةَ قال: لم يكن في بني عبد الأشهل إلا يهودي واحد يقال له يوشع، فسمعته يقول وإني لغلام: قد أظلَّكم خروج نبيٍّ يُبْعث من نحو هذا البيت، ثم أشار بيده إلى نحو بيت الله الحرام، فمن أدركه فلْيصدِّقْه، فبُعِث رسولُ الله ﷺ فأسْلَمْنا وهو بين أظهرنا، ولم يسلم حسدًا وبغيًا٣.
قال النَّضْر: وحدثنا عبد الجبار بن سعيد، عن أبي بكر بن عبد الله العامريِّ، عن سليم بن يسار، عن عمارةَ٤ بنِ خزيمةَ بن ثابت، قال: ما كان في الأوْس والخَزْرجَ رجلٌ أوْصَفَ لمحمدٍ من أبي عامر الرَّاهب،
كان يألف اليهود ويسائلُهم عن الدِّين١ ويخبرونه بصفة رسول الله ﷺ، وأنَّ هذه دار هجرته، ثم خرج إلى يهود تيماء فأخبروه بمثل ذلك، ثم خرج إلى الشام فسأل النصارى فأخبروه بصفةِ رسول الله ﷺ، وأنَّ مهاجره يثرب، فرجع أبو عامر وهو يقول: أنا على دين الحنيفية، وأقام مترهبًا ولبس المسوح، وزعم أنه على دين إبراهيم وأنه ينتظر خروج النبيِّ. فلما ظهر رسول الله ﷺ بمكة لم يخرج إليه وأقام على ما كان عليه، فلما قدم النبي ﷺ المدينةَ حَسَدَه وبغى ونافق، وأتى النبي ﷺ فقال: يا محمد: بم بُعِثْتَ؟ قال: "بالحنيفيَّة" قال: أنت تخلطها بغيرها؟ فقال النبيُّ ﷺ: "أتيتُ بها بيضاءَ، أين ما كان يخبرك الأحبارُ من اليهود والنصارى من صفتي"؟ فقال: لستَ الذي وَصَفُوا، فقال النبيُّ ﷺ: ("كذبتَ" فقال: ما كذبتُ، فقال رسول الله ﷺ)٢: "الكاذبُ أماته الله وحيدًا طريدًا" قال: آمين. ثم رجع إلى مكة وكان مع قريشٍ يتبع دينهم، وترك ما كان عليه، فلما أسلم أهل الطائف لحق بالشام فمات بها طريدًا غريبًا وحيدًا٣.
وقال الواقديُّ: حدَّثني محمد بن سَعْدِ الثقفيُّ وعبد الرحمن بن عبد العزيز في جماعةٍ، كل حدَّثني بطائفة من الحديث، عن المغيرةِ بنِ شُعْبَةَ أنه دخل على المُقَوْقِس وأنِّه قال له: إنَّ محمدًا نبيٌّ مُرْسَل، ولو أصاب القبطُ والرّومُ اتَّبَعُوه.
قال المغيرة: فأقمتُ بالإسكندرية لا أدع كنيسةً إلا دخلتُها وسألت
(١) في "غ، ص": "اليهود ودينهم".
(٢) ما بين القوسين ساقط من "د".
(٣) أخرج القصة: أبو نعيم في "الدلائل": ص (٤١ - ٤٢).