قال ابن سعد: وأخبرَنَا علي بن محمد بن علي بن مجاهد، عن محمد بن إسحاق، عن سالم (مولى عبد الله بن مطيع، عن أبي هريرة، قال: "أتى رسولُ الله ﷺ بيت المِدْرَاس، فقال: أخْرِجوا إليَّ أعلمَكم. فقالوا)١: عبد الله بن صوريا، فخلا به رسولُ الله ﷺ فناشده بدينه وبما أنعم الله عليهم وأطعمهم من المَنِّ والسَّلْوى وظلَّلهم من الغمام أتعلم أني رسول الله؟
قال: اللهمَّ نعم، وإنَّ القوم ليعرفون ما أعرفُ، وإن صفَتَك ونَعْتَكَ لمبيَّنٌ في التوراة، ولكن حسدوك.
قال: فما يمنعك أنت؟
قال: أكرهُ خلاف قومي عسى أن يَتَّبِعُوك ويُسْلِموا فأُسْلِمَ"٢.
وقال أبو الشيخ الأصْبَهَانِيُّ: حدَثنا أبو يحيى الرَّازي، حدَّثنا سهل بن عثمان، حدَّثنا علي بن مُسهِر، عن داود، عن الشعبيِّ، قال: قال عمر بن الخطاب: كنت آتي اليهود عند دراستهم التوراة فأعجب من موافقة التوراة للقرآن وموافقة القرآن للتوراة، فقالوا: يا عمر ما أحدٌ أحبُّ إلينا منك لأنك تَغْشَانَا، قلتُ: إنما أجيء لأعجب من تصديق كتاب الله بعضه بعضًا، فبينا أنا عندهم ذاتَ يومٍ إذ مرَّ رسول الله ﷺ فقالوا: هذا صاحبك، فقلت: أنشدكم الله وما أنزل عليكم من الكتاب أتَعْلَمون أنَّه رسول الله؟
فقال سيدهم: قد نشدكم الله فأخْبِرُوه.
(١) ما بين القوسين ساقط من "د".
(٢) طبقات ابن سعد: (١/ ١٦٤).
فقالوا: أنت سيدنا فأخْبِرْه.
فقال: إنَّا نعلم أنه رسول الله.
قلت: فأنَّى أهلككم إنْ كنتم تعلمون أنه رسول الله لِمَ لَمْ تَتَّبِعُوه؟!
قالوا: إنَّ لنا عدوًّا من الملائكة، وسِلْمًا من الملائكة؛ عدوُّنا جبريل وهو مَلَكُ الفَظَاظَة والغِلْظَة، وسِلْمُنا ميكائيل وهو ملك الرأفة واللِّين.
قلت: فإني أشهد ما يحل لجبريل أن يعاديَ سِلْم ميكائيل، ولا لميكائيل أن يعاديَ سِلْمَ جبريل، ولا أن يسلم عدوه، ثم قمت فاستقبلني رسولُ الله ﷺ فقال: "ألا أقرئك آيات نزلت عليَّ قَبْلُ، فتلا: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٩٧]. فقلت: والذي بعثك بالحقِّ ما جئتُ إلا لأخبرك يقول اليهود. قال عمر: فلقد رأيتُنِي أشدَّ في دين الله من حَجَر١.
وذكر أبو نعيم من حديث عَمْرو بن عَبَسَةَ قال: رغبتُ عن آلهة قومي في الجاهلية، وعرفت أنها على الباطل، يعبدون الحجارة وهي لا تضرُّ ولا تنفع، فلقيت رجلًا من أهل الكتاب فسألته عن أفضل الدِّين؟ فقال: يخرج رجل من مكةَ ويرغب عن آلهة قومه، يأتي بأفضل الدين، فإذا
(١) أخرجه أيضًا الطبري: (٢/ ٣٨٤ - ٣٨٥)، والواحدي في "أسباب النزول" ص (٢٧ - ٢٨)، والبغوي في "التفسير": (١/ ٨٠)، وابن أبي شيبة: (١٤/ ٢٨٥). وانظر: "العجاب في بيان الأسباب" لابن حجر: (١/ ٢٩٣). وقال السيوطي في "الدر المنثور": (١/ ٤٧٧) (تحقيق د. التركي): "مرسل صحيح الإسناد".