وقال ابن سعد: حدثنا محمد بنُ (سعد بنِ)٢ إسماعيل بنِ أبي فُدَيْك، عن موسى بن يعقوب الزَمَعِيّ، عن سهل مولى عُتَيْبَةَ أنَّه كان نصرانيًّا وكان يتيمًا في حِجْر عمِّه وكان يقرأ الإنجيل، قال: فأخذت مصحفًا لعمِّي فقرأته حتى مرَّتْ بي ورقة أنكرتُ كثافتها٣، فإذا هي ملصقة ففتقتُها فوجدت فيها نَعْتَ محمد ﷺ، أنه لا قصير ولا طويل، أبيض، بين كتفيه خاتَمُ النبوة، يكثر الاحتبَاءَ، ولا يقبلُ الصدقةَ، ويركبُ الحمارَ والبعيرَ، ويَحْتَلِبُ الشاةَ، ويلبس قميصًا مُرَقَّعًا، وهو من ذرية إسماعيل، اسمه أحمد. قال: فجاء عمي فرأى الورقة (فضربني، وقال: ما لك وفتح هذه الورقة؟)٤ فقلت: فيها نعت النبيِّ أحمد، فقال: إنه لم يأتِ بعدُ٥.
وقال وهب: أوحى الله إلى إشَعْيَا أني مبتعثٌ نبيًّا أفتح به آذانًا صُمًّا وقلوبًا غُلْفًا، أجعل السكينةَ لباسَهُ، والبِرَّ شعارَهُ، والتقوى ضميرَهُ، والحكمةَ معقولَه، والوفاءَ والصِّدْق طبيعتَه، والعفو والمغفرة والمعروف خُلُقَه، والعدلَ سيرته، والحقَّ شريعتَه، والهدى إمامَه والإِسلامَ ملَّتَه،
(٥) انظر "الطبقات" لابن سعد (١/ ٣٦٣)، وانظر: "أعلام رسول الله المنزلة على رسله" لابن قتيبة، لوحة (٩).
وأحمدَ اسمَه، أَهدي به بعد الضلالة، وأُعْلِم به بعد الجهالة، وأكثر به بعد القِلَّة، وأجمع به بعد الفُرْقة، وأؤلف به بين قلوبٍ مختلفة وأهواء متشتِّتة وأممٍ مختلفة، وأجعل أمته خير أمة، وهم رعاة الشمس، طوبى لتلك القلوب١.
وذكر ابن أبي الدنيا من حديث عثمان بن عبد الرحمن: أنَّ رجلًا من أهل الشام من النصارى قَدِمَ مكة، فأتى على نسوةٍ قد اجتمعن في يوم عيد من أعيادهم وقد غاب أزواجهن في بعض أمورهم، فقال: يا نساء تَيْماء: إنه سيكون فيكم نبيٌّ يقال له: أحمد، أيما امرأة منكن استطاعتْ أن تكون له فراشًا فلتفعل، فحفظت خديجة حديثه.
وقال عبد المنعم بن إدريس، عن أبيه، عن وَهْب، قال في قصة داود، ومما أوحى الله إليه في الزبور: "يا داود إنه سيأتي من بعدك نبيٌّ يسمى أحمد ومحمد، صادقًا سيدًا، لا أغضب عليه أبدًا، ولا يغضبني أبدًا، قد غفرت له -قبل أن يغضبني٢ - ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر، وأمتُه مرحومةٌ، أعطيتهم من النوافل مِثْلَ ما أعطيتُ الأنبياء، وافترضتُ عليهم الفرائض التي افترضتُ على الأنبياء والرسل، حتى يأتوني يوم القيامة ونورُهم مثل نور الأنبياء، وذلك أني افترضتُ عليهم أن يتطهروا لكل صلاة، كما افترضت على الأنبياء قَبْلَهم، وأمرتهم بالغُسْل من الجنابة كما أمرتُ الأنبياءَ قبلهم، وأمرتُهم بالحج كما أمرتُ الأنبياء قبلهم، وأمرتُهم بالجهاد كما أمرتُ الرسل قبلهم.
يا داود إني فضَّلْتُ محمدًا وأمته على الأمم (كلها: أعطيتهم ست