وأحمدَ اسمَه، أَهدي به بعد الضلالة، وأُعْلِم به بعد الجهالة، وأكثر به بعد القِلَّة، وأجمع به بعد الفُرْقة، وأؤلف به بين قلوبٍ مختلفة وأهواء متشتِّتة وأممٍ مختلفة، وأجعل أمته خير أمة، وهم رعاة الشمس، طوبى لتلك القلوب١.
وذكر ابن أبي الدنيا من حديث عثمان بن عبد الرحمن: أنَّ رجلًا من أهل الشام من النصارى قَدِمَ مكة، فأتى على نسوةٍ قد اجتمعن في يوم عيد من أعيادهم وقد غاب أزواجهن في بعض أمورهم، فقال: يا نساء تَيْماء: إنه سيكون فيكم نبيٌّ يقال له: أحمد، أيما امرأة منكن استطاعتْ أن تكون له فراشًا فلتفعل، فحفظت خديجة حديثه.
وقال عبد المنعم بن إدريس، عن أبيه، عن وَهْب، قال في قصة داود، ومما أوحى الله إليه في الزبور: "يا داود إنه سيأتي من بعدك نبيٌّ يسمى أحمد ومحمد، صادقًا سيدًا، لا أغضب عليه أبدًا، ولا يغضبني أبدًا، قد غفرت له -قبل أن يغضبني٢ - ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر، وأمتُه مرحومةٌ، أعطيتهم من النوافل مِثْلَ ما أعطيتُ الأنبياء، وافترضتُ عليهم الفرائض التي افترضتُ على الأنبياء والرسل، حتى يأتوني يوم القيامة ونورُهم مثل نور الأنبياء، وذلك أني افترضتُ عليهم أن يتطهروا لكل صلاة، كما افترضت على الأنبياء قَبْلَهم، وأمرتهم بالغُسْل من الجنابة كما أمرتُ الأنبياءَ قبلهم، وأمرتُهم بالحج كما أمرتُ الأنبياء قبلهم، وأمرتُهم بالجهاد كما أمرتُ الرسل قبلهم.
يا داود إني فضَّلْتُ محمدًا وأمته على الأمم (كلها: أعطيتهم ست
(١) المرجع السابق. وانظر: إشعياء: (٤٢/ ٢ - ٧).
(٢) في "ب، ص": "يعصيني".
خصال لم أُعطِها غيرهم من الأمم)١، لا أؤاخذهم بالخطأ والنسيان، وكلُّ ذنب ركبوه على غير عَمْدٍ إذا استغفروني منه غفرته لهم، وما قدَّموا لآخرتهم من شيء طيبة به أنفسُهم عجَّلْتُه لهم أضعافا مضاعفة أفضل من ذلك، ولهم في المدخور عندي أضعافًا مضاعفة أفضل من ذلك، وأعطيتهم على المصائب -إذا صبروا واسترجعوا- الصلاةَ والرحمةَ والهدى، فإن دَعَوْني استجبتُ لهم.
يا داود من لَقِيَني من أمة محمد يشهد أن لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي صادقًا بها فهو معي في جنتي وكرامتي، ومن لقيني وقد كذَّب محمدًا أو كذَّب بما جاء به واستهزأ بكتابي صَبَبْتُ عليه في قبره العذابَ صَبًّا وضربتِ الملائكةُ وجهَه ودبرَه عند منشره في قبره، ثم أدخله في الدَّرْك الأسفل من النار"٢.
وقال عفان: حدَّثَنا همَّام عن قتادةَ، عن زُرَارةَ بن أبي أَوْفى، عن مطرِّف بن مالك: أنه قال: شهدت فتح تُسْتَر مع الأشعريِّ فأصبنا قبر دَانِيَال بالسُّوس٣ -وكانوا إذا أجدبوا خرجوا فاستسقوا به- فوجدوا معه رقعة فطلبها نَصْرانيٌّ من الحيرة، يسمى نُعَيْمًا، فقرأها وفي أسفلها: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾[آل عمران: ٨٥]. فأسلم مَنهم يومئذ اثنان وأربعون حَبْرًا، وذلك في خلافة معاوية، فأتحفهم معاويةُ وأعطاهم.
(١) ما بين القوسين ساقط من "د".
(٢) رواه البيهقي في "الدلائل": (١/ ٣٨٠).
(٣) في "د، ص، ب": "بالسُّوَيْن". قال البغدادي: السُّوس بلدة بخوزستان، وجد فيها قبر دانيال فدفن في نهرها تحت الماء، وغمر قبره .. انظر: "مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع" لصفي الدين عبد المؤمن البغدادي: ٢/ ٧٥٥.