خصال لم أُعطِها غيرهم من الأمم)١، لا أؤاخذهم بالخطأ والنسيان، وكلُّ ذنب ركبوه على غير عَمْدٍ إذا استغفروني منه غفرته لهم، وما قدَّموا لآخرتهم من شيء طيبة به أنفسُهم عجَّلْتُه لهم أضعافا مضاعفة أفضل من ذلك، ولهم في المدخور عندي أضعافًا مضاعفة أفضل من ذلك، وأعطيتهم على المصائب -إذا صبروا واسترجعوا- الصلاةَ والرحمةَ والهدى، فإن دَعَوْني استجبتُ لهم.
يا داود من لَقِيَني من أمة محمد يشهد أن لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي صادقًا بها فهو معي في جنتي وكرامتي، ومن لقيني وقد كذَّب محمدًا أو كذَّب بما جاء به واستهزأ بكتابي صَبَبْتُ عليه في قبره العذابَ صَبًّا وضربتِ الملائكةُ وجهَه ودبرَه عند منشره في قبره، ثم أدخله في الدَّرْك الأسفل من النار"٢.
وقال عفان: حدَّثَنا همَّام عن قتادةَ، عن زُرَارةَ بن أبي أَوْفى، عن مطرِّف بن مالك: أنه قال: شهدت فتح تُسْتَر مع الأشعريِّ فأصبنا قبر دَانِيَال بالسُّوس٣ -وكانوا إذا أجدبوا خرجوا فاستسقوا به- فوجدوا معه رقعة فطلبها نَصْرانيٌّ من الحيرة، يسمى نُعَيْمًا، فقرأها وفي أسفلها: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾[آل عمران: ٨٥]. فأسلم مَنهم يومئذ اثنان وأربعون حَبْرًا، وذلك في خلافة معاوية، فأتحفهم معاويةُ وأعطاهم.
(١) ما بين القوسين ساقط من "د".
(٢) رواه البيهقي في "الدلائل": (١/ ٣٨٠).
(٣) في "د، ص، ب": "بالسُّوَيْن". قال البغدادي: السُّوس بلدة بخوزستان، وجد فيها قبر دانيال فدفن في نهرها تحت الماء، وغمر قبره .. انظر: "مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع" لصفي الدين عبد المؤمن البغدادي: ٢/ ٧٥٥.
قال هَمَّام: فأخبرني بسْطَامُ بنُ مسلم: أنَّ معاويةَ بن قُرَّة قال: تذاكَرْنَا الكتاب إلى ما صار، فمرَّ علينا شَهْرُ بن حَوْشَب فدعوناه، فقال: على الخبير سقطتم: إن الكتاب كان عند كعب فلما احْتُضِرَ قال: ألا رَجُلٌ ائتمنه على أمانةٍ يؤدِّيها؟ قال شهر: فقال ابنُ عمٍّ لي يكنى أبا لبيد: أنا، فدفع إليه الكتاب، فقال: إذا بلغْتَ موضع كذا فاركب قُرْقُورًا ثم اقذف به في البحر، ففعل، فانفرج الماء فقذفه فيه ورجع إلى كعبٍ فأخبره، فقال: صدقتَ، إنَّه من التوراة التي أنزلها الله ﷿١.
ومن ذلك أخبار أُميَّةَ بن أبي الصَّلْت الثَّقَفِيِّ، ونحن نذكر بعضها.
قال الزُّبير بن بَكَّار: حدثني عمي مُصْعَبٌ، عن مصعب بن عثمان، قال: كان أُمية قد نظر في الكتب وقرأها ولبس المُسُوحَ تعبُّدًا، وكان ممن ذكر إبراهيمَ وإسماعيلَ والحنيفيَّةَ، وحرَّم الخمر والأوثان، والتَمَسَ الدِّين، وطمع في النبوة؛ لأنه قرأ في الكتب أنَّ نبيًّا يُبْعَث مِنَ العرب فكان يرجو أن يكون هو، فلما بعث الله محمدًا ﷺ قيل له: هذا الذي كنت تبشِّر به وتقول فيه، فحسده عدوُّ الله وقال: أنا كنت أرجو أنْ أكونَ هو. فأنزل الله ﷿ فيه٢: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ١٧٥﴾[الأعراف: ١٧٥].
وهو الذي يقول:
كل دِيْنٍ يومَ القيامةِ عِنْدَ اللهِ-إلَّا دِيْنَ الحَنيفة- زُوْرُ
(١) أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة": (١/ ٣٩٠ - ٣٩١).