وتَكْرَاره ذلك عليهم مرةً بعد مرة في كل مجمع، وتعريفهم١ بذلك وتوبيخهم والنداء عليهم به = من أقوى الأدلة القطعيَّة على وجوده من وجهين: "أحدهما": قيام الدليل القطعيِّ على صدقه.
"الثاني": دعوته لهم بذلك إلى تصديقه، ولو لم يكن له وجود لكان ذلك من أعظم دواعي تكذيبه والتنفير عنه.
فصل
وهذه الطرق يسلكها من يساعدهم على أنهم لم يحرفوا ألفاظ التوراة والإنجيل، (ولم يبدِّلوا شيئا منها)٢، فيسلكها بعض نُظَّار المسلمين معهم من غير تعرُّضٍ إلى التبديل والتحريف.
وطائفة أخرى تزعُم أنهم بدَّلوا وحرَّفوا كثيرًا من ألفاظ الكتابين، مع أنَّ الغرض٣ الحامل لهم على ذلك دون الغرض الحامل لهم على تبديل البشارة برسولِ الله ﷺ بكثير، وأن البشارات لكثرتها لم يمكنهم إخفاؤها كلِّها وتبديلها، ففَضَحَهم ما عجزوا عن كتمانه أو تبديله.
وكيف يُنْكَرُ٤ من الأمة الغضبيَّة -قَتَلَةِ الأنبياء الذين رموهم بالعظائم- أنْ يكتموا٥ نَعْتَ رسولِ الله ﷺ وصِفَتَه، وقد جحدوا نبوة المسيح ورموه وأمَّه بالعظائم، ونعتُه بالبشارة به موجودٌ في كتبهم، ومع
(١) في "ص": "وتفريقهم".
(٢) في "غ، د": "ولم يبدلوها".
(٣) في "ج": "العارض".
(٤) في "ص، غ": "تنكر".
(٥) في "د، غ": "ينكروا".
هذا أطبقوا على جحد نبوته وإنكارِ بشارة الأنبياء به، ولم يفعل بهم ما فعلَه بهم محمد ﷺ من القتل والسَّبْي، وغنيمة الأموال، وتخريب الديار، وإجلائهم منها، فكيف لا تتواصى هذه الأمةُ بكتمان نَعْتِه وصفتِه وتُبَدِّله مِنْ كتبها؟
وقد عاب١ الله سبحانه عليهم ذلك في غير موضع من كتابه ولعنهم عليه.
ومن العجب أنهم والنصارى يقرُّون أن التوراة كانت طول مملكة بني إسرائيل عند الكاهن الأكبر الهاروني وحْدَه، واليهود تقرُّ أن السبعين كاهنًا اجتمعوا على اتِّفاقٍ من جميعهم على تبديل ثلاثةَ عَشَر حرفًا من التوراة، وذلك بعد المسيح في عهد القياصرة الذين كانوا تحت قَهْرِهِم حيث زال المُلْك عنهم، ولم (يَبْقَ لهم)٢ مَلِكٌ يخافونه ويأخذ على أيديهم٣. ومَنْ رضي بتبديل موضع واحد من كتاب الله فلا يُؤْمَن منه تحريفُ غيره، واليهود تقرُّ أيضًا أنَّ السامرة حرَّفوا مواضع من التوراة وبدَّلوها تبديلًا ظاهرًا وزادوا ونقصوا. والسَّامرةُ تدَّعي ذلك عليهم.
وأما الإنجيل؛ فقد تقدَّم أن الذي بأيدي النصارى منه أربع كتب مختلفة من تأليف أربعة رجال: يُوحَنَّا٤، ومَتَّى، ومَرْقُسْ، ولُوقًا، فكيف يُنْكَر تطرُّق التبديل والتحريف إليها، وعلى ما فيها من ذلك؛ فقد
(١) في "د": "نعى" وتصحفت في "ص، غ" إلى: "بغى".
(٢) في "ص": "يتولهم".
(٣) في "د" زيادة: "ومنهم من يقول: بلى، وهو بختنصر، حيث ألزمهم بكتابة التوراة لطائفة من جماعته".