هداية الحيارى

وفيها: أنَّ يهوذَا بن يعقوب النبيِّ زوَّج ولدَه الأكبرَ من امرأةٍ يقال لها: تامار، فكان يأتيها مستدبرًا، فغضب اللهُ من فِعْله فأماته، فزوَّج يهوذا ولده الآخر بها، فكان إذا دخل بها أمْنَى على الأرض، عِلْمًا بأنَّه إنْ أولدها كان أولُ الأولاد مدعوًّا باسم أخيه ومنسوبًا إلى أخيه. فكره اللهُ ذلك من فعله فأماته، فأمَرَها١ يهوذا باللِّحاق ببيت أبيها إلى أن يَكْبر ولدُه شيلا ويَتمَّ عقله. ثم ماتت زوجة يهوذا وذهب إلى منزله٢ ليَجُزَّ غنَمَه، فلما أُخبرت تامار لبست زِيَّ الزَّواني وَجَلَّست على طريقه، فلما مرَّ بها خالها٣ زانيةً، فراودها فطالبته بالأجرة، فوعدها بجَدْيٍ ورمى عندها عصاه وخاتَمَهُ، فدخل بها فعلقت منه بولد. ومن هَذا الولد كان داود النبيّ٤.

فقد جعلوه ولد زنا، كما جعلوا المسيح ولد زنا، ولمِ يَكْفِهِمْ ذلك حتى نسبوا ذلك إلى التوراة، وكما جعلوا وَلَدَي لوط وَلدَي زنا، ثم نسبوا داود وغيره من أنبيائهم إلى ذينك الولدين.

وأما فِرْيَتُهم على الله ورسله وأنبيائه، ورَمْيُهم لربِّ العالمين ورسله بالعظائم: فكثيرٌ جدًّا، كقولهم: إن الله استراح في اليوم السابع من خلق السموات والأرض٥، فأنزل الله ﷿ على رسوله تَكذِيْبَهم بقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ

  1. (١) في "غ، ص": "فأمر بها".
  2. (٢) في "غ، ص، ب": "منزل له".
  3. (٣) في "د": "ظنّها".
  4. (٤) سفر التكوين: (٣٨/ ٦ - ١٩).
  5. (٥) سفر التكوين: (٢/ ١ - ٢).
244

لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]. أي تعب١.

وقولهِمِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]، وقولهِم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، وقولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ [آل عمران: ١٨٣]، وقولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]، وقولهِم: إنَّ الله تعالى بكى على الطوفان حتى رَمِدَتْ عيناه وعادَتْهُ الملائكة.

وقولهم الذي حكيناه آنفًا: إنَّ الله ندم على خلق بني آدم. وأدخَلُوا هذه الفريةَ في التوراة.

وقولهم عن لوط: إنَّه وَطِئَ ابنتيه، وأولدهما وَلَدَيْن نسبوا إليهما جماعة من الأنبياء.

وقولهم في بعض دعاء صلواتهم: انتبه كم تنامُ يا ربّ، استيقِظْ من رقدتك٢. فتجرَّؤوا على ربِّ العالمين بهذه المناجاة القبيحة، كأنهم يَنْخُونَه٣ بذلك لِيَنْتَخِيَ لهم ويحتمي، كأنهم يخبرونه أنه قد اختار الخمول لنفسه وأحبابه، فيهزُّونه بهذا الخطاب للنَّباهة واشتهار الصِّيْت.

قال بعض أكابرهم بعد إسلامه٤: فترى أحدَهم إذا تلا هذه الكلمات في الصلاة يَقْشَعِرُّ جِلْدُه، ولا يشكُّ أنَّ كلامه يقع عند الله بموقعٍ عظيم، وأئَه يؤثر في ربِّه ويحرِّكُه ويهزُّه ويُنْخِيْهِ.

  1. (١) من "د" فقط.
  2. (٢) العهد القديم، المزمور: (٧٨/ ٦٥).
  3. (٣) في "ج، ص": "يوبخونه" وفي "د": "يناجونه".
  4. (٤) انظر ص (٢٤٦) تعليق (٩).
245

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي