هداية الحيارى

موسى. ولا نقول أيضا: إنَّ اليهود قصدوا تغييرها وإفسادها، بل الحقُّ أولى ما اتُّبع"١.

وقال٢: "ونحن نذكر حقيقة سبب تبديل التوراة، فإنَّ علماء القوم وأحبارهم يعلمون أنَّ هذه التوراة التي بأيديهم لا يَعْتقِدُ أحدٌ من علمائهم وأحبارهم أنَّها عَيْنُ التوراة المنزَّلة على موسى بنِ عِمْرَانَ البتَّةَ؛ لأن موسى صان التوراةَ عن بني إسرائيل، ولم يبثَّها فيهم خوفًا من اختلافهم من بعده في تأويل التوراة المؤدِّي إلى انقسامهم أحزابًا، وإنما سلَّمها إلى عشيرته أولاد لاوِي. قال: ودليل ذلك: قَوْلُ التوراة ما هذه ترجمته: "وكتب موسى هذه التوراةَ ودفَعَها إلى أئمة بني لَاوِي"٣. وكان بنو هارون قضاةَ اليهود وحُكَامَهُم، لأنَّ الإمامة وخِدْمةَ القَرَابِيْن والبيت المقدَّس كانت فيهم، ولم يُبْدِ٤ موسى لبني إسرائيل من التوراة إلا نِصفَ سورةٍ … "٥.

وقال الله لموسى عن هذه السورة: "وتكونُ لي هذه السورة شاهدة على بني إسرائيل، ولا تُنْسَى٦ هذه السورةُ من أفواه أولادهم"٧.

وأما بقية التوراة فدفعها إلى أولاد هارون وجعلها فيهم وصانها عمَّن

  1. (١) "بذل المجهود" للسموأل، ص (١٢٤).
  2. (٢) المصدر نفسه ص (١٢٤).
  3. (٣) سفر التثنية: (٣١/ ٩ - ١٣). وفي "بذل المجهود": "الأئمة بني لاوي".
  4. (٤) في "بذل المجهود": "ولم يبذل".
  5. (٥) هنا كلام طواه المصنف اختصارًا.
  6. (٦) في "غ، ص": "نفسي".
  7. (٧) سفر التثنية: (٣٢/ ٤٥ - ٤٧). وانظر: "بذل المجهود" للسموأل، ص (١٢٥).
247

سواهم، فالأئمة الهارونيون هم الذين كانوا يعرفون التوراة ويحفظون أكثرها فقتلهم بُخْتَنَصَّر على دم واحد، وأحرق هيكلهم يوم استولى على بيت المقدس، ولم تكن التوراةُ محفوظةً على ألسنتهم، بل كان كلُّ واحدٍ من الهارونيين يحفظ (فصلًا من)١ التوراة.

فلما رأى عُزَيْرٌ أنَّ القوم قد أُحْرِق هيكلُهم وزالتْ دولتُهم وتفرَّق جَمْعُهم ورُفِع كتابُهم، جَمَعَ من محفوظاته ومن الفصول التي يحفظُها الكهنةُ ما لفَّق منه هذه التوراة التي بأيديهم، ولذلك بالغوا في تعظيم عُزَيْر٢ غايةَ المبالغة، وقالوا فيه ما حكاه الله عنهم في كتابه، وزعموا أنَّ النور على الأرض إلى الآن يظهر على قبره عند بطائح العراق، لأنه عَمِلَ لهم كتابًا يحفظ دينهم.

فهذه التوراة التي بأيديهم -على الحقيقة- كتابُ عُزَيْر، وإن كان فيها أو أكثرها من التوراة التي أنزلها الله على موسى.

قال: وهذا يدل على أنَّ الذي جمع هذه الفصول التي بأيديهم رجلٌ جاهل بصفات الربِّ تعالى، وما ينبغي له، وما لا يجوز عليه؛ فلذلك نسب إلى الربِّ تعالى ما يتقدّس ويتنزَّه عنه٣.

وهذا الرجل يُعْرَفُ عند اليهود والنصاري بعَازَر الورَّاق، ويظنُّ بعض الناس أنه الذي: ﴿مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي

  1. (١) في "ص، غ": "فضلًا عن".
  2. (٢) في "غ، ص": "عزرا".
  3. (٣) انتهى ما نقله المصنف عن "بذل المجهود" للسموأل من ص (١٢٥ - ١٣٤) بتصرف يسير.
248

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي