هداية الحيارى

سواهم، فالأئمة الهارونيون هم الذين كانوا يعرفون التوراة ويحفظون أكثرها فقتلهم بُخْتَنَصَّر على دم واحد، وأحرق هيكلهم يوم استولى على بيت المقدس، ولم تكن التوراةُ محفوظةً على ألسنتهم، بل كان كلُّ واحدٍ من الهارونيين يحفظ (فصلًا من)١ التوراة.

فلما رأى عُزَيْرٌ أنَّ القوم قد أُحْرِق هيكلُهم وزالتْ دولتُهم وتفرَّق جَمْعُهم ورُفِع كتابُهم، جَمَعَ من محفوظاته ومن الفصول التي يحفظُها الكهنةُ ما لفَّق منه هذه التوراة التي بأيديهم، ولذلك بالغوا في تعظيم عُزَيْر٢ غايةَ المبالغة، وقالوا فيه ما حكاه الله عنهم في كتابه، وزعموا أنَّ النور على الأرض إلى الآن يظهر على قبره عند بطائح العراق، لأنه عَمِلَ لهم كتابًا يحفظ دينهم.

فهذه التوراة التي بأيديهم -على الحقيقة- كتابُ عُزَيْر، وإن كان فيها أو أكثرها من التوراة التي أنزلها الله على موسى.

قال: وهذا يدل على أنَّ الذي جمع هذه الفصول التي بأيديهم رجلٌ جاهل بصفات الربِّ تعالى، وما ينبغي له، وما لا يجوز عليه؛ فلذلك نسب إلى الربِّ تعالى ما يتقدّس ويتنزَّه عنه٣.

وهذا الرجل يُعْرَفُ عند اليهود والنصاري بعَازَر الورَّاق، ويظنُّ بعض الناس أنه الذي: ﴿مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي

  1. (١) في "ص، غ": "فضلًا عن".
  2. (٢) في "غ، ص": "عزرا".
  3. (٣) انتهى ما نقله المصنف عن "بذل المجهود" للسموأل من ص (١٢٥ - ١٣٤) بتصرف يسير.
248

هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة: ٢٥٩] ويقول: إنه نبي.

ولا دليل على هاتين المقدمتين، ويجب التَّثَبُّت في ذلك نفيًا وإثباتًا، فإن كان هذا نبيًّا واسمه عُزَير: فقد وافق صاحبَ التوراةِ في الاسم.

وبالجملة: فنحن، وكلُّ عاقلٍ، نقطع ببراءة التوراة التي أنزلها الله على كليمه موسى من هذه الأكاذيب والمستحيلات والتُّرَّهَات، كما نقطع ببراءة صلاة موسى وبني إسرائيل معه من هذا الذي يقولونه في صلاتهم اليوم١، (فإنهم في العشر الأول من المحرَّم في كلِّ سنةٍ يقولون في صلاتهم)٢ ما ترجمته: "يا أبانا املك على جميع أهل الأرض؛ ليقول كل ذي نسمة؛ الله إله إسرائيل قد ملك، ومملكته في الكل متسلطة"٣.

ويقولون فيها أيضا: وسيكون لله الملك، وفي ذلك اليوم يكون الله واحدًا، واسمه واحد٤.

ويعنون بذلك أنه لا يظهر كون الملك له وكونه واحدًا إلا إذا صارت الدولة لهم، فأما مادامت الدولة لغيرهم فإنه تعالى خامل الذكر عند الأمم، مشكوك في وحدانيته، مطعون في ملكه.

ومعلوم قطعًا: أنَّ موسى وربَّ موسى بريءٌ من هذه الصلاة بَرَاءتَهُ

  1. (١) ساقطة من "د".
  2. (٢) ساقط من "د".
  3. (٣) انظر: المزمور: (١٠٣/ ١٩).
  4. (٤) المزمور: (٤٧/ ٢ - ٣).
249

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي