هداية الحيارى

المسيحَ كفرُوا به عند مبعثه، وأقاموا ينتظرون متى يأكل الأسدُ التِّبْنَ حتى تصحَّ لهم علامةُ مبعثِ المسيح.

ويعتقدون أنَّ هذا المنتظر متى جاءهم يجمعهم بأسرهم إلى القدس، وتصير لهم الدولة، ويخلو العالَم من غيرهم، ويحجم الموتُ عن جنابهم المنيع مدةً طويلة.

وقد عوضوا من الإيمان بالمسيح ابن مريم بانتظار مسيح الضلالة الدجَّال، فإنه هو الذي ينتظرونه حقًا، وهم عَسْكَرُهُ وأتْبَعُ الناس له، ويكون لهم في زمانه شوكةٌ ودولة إلى أن ينزل مسيح الهدى ابنُ مريمَ، فيقتل مُنْتَظَرَهُم، ويضع -هو وأصحابه- فيهم السيوفَ حتى يختبئ اليهوديُّ وراء الحجر والشجر، فيقولان: يا مسلم هذا يهوديٌّ ورائي تَعَالَ فَاقْتُلْه١.

فإذا نظف الأرض منهم ومن عُبَّاد الصليب فحينئذ يرعى الذئب والكبش معًا، ويربضان٢ معًا، وترعى البقرة والذئب معًا، ويأكل الأسد التِّبْن، ويلقى الأمْنُ في الأرض٣.

  1. (١) عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية". أخرجه البخاري برقم (٢٣٤٤). وأخرج عنه أيضًا برقم (٢٧٦٨): "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى يقول الحجر وراءه اليهودي: يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله".
  2. (٢) في "ج": "يرتعان".
  3. (٣) سفر إشعياء: (١١/ ١ - ٥). وانظر: "بذل المجهود في إفحام اليهود" للسموأل، ص (١٠١ - ١٠٥).
251

هكذا أخبر به إشَعْيًا في نبوته وطابق١ خَبَرُه ما أخبرَ به النبيُّ ﷺ في الحديث الصحيح في خروجِ الدجَّال وقَتْلِ المسيح ابن مريم له، وخروج يأجوج ومأجوج في أثره ومحقهم من الأرض، وإرسالِ البركة والأَمْن في الأرض حتى ترعى الشاة والذئب، وحتى إنَّ الحيَّاتِ والسِّبَاعَ لا تَضُرُّ الناس٢.

فصلوات الله وسلامه على مَنْ جاء بالهدى والنُّورِ وتَفْصيْلِ كل شيء وبيانِهِ. فأهلُ الكتاب عندهم عن أنبيائهم حقٌّ كثير، لا يعرفونه ولا يحسنون أن يضعوه مواضعه.

ولقد أكمل الله سبحانه بمحمدٍ -صلوات الله وسلامه عليه- ما أنزله على الأنبياء ﵈ من الحقِّ وبيَّنه وأَظْهَرَه لأمته، وفَصَّل على لسانه ما أجمله لهم، وشرح ما رَمَزُوا إليه، فجاء بالحقِّ وصدَّق المرسلين، وتمت به نعمة الله على عباده المؤمنين.

فالمسلمون واليهود والنصارى تنتظر مسيحًا يجيء في آخر الزمان، فمسيح اليهود هو الدجال، ومسيح النصارى لا حقيقة له، فإنه عندهم إله وابن إله وخالق ومميت ومحيي، فمسيحهم الذي ينتظرونه: هو المصلوبُ المسمَّرُ٣ المكلَّل بالشوك بين اللصوص٤، المصفوعُ الذي

  1. (١) في "ج": "مطابقًا".
  2. (٢) انظر: إشعياء: (١١/ ٦) و(٦٥/ ٢٥).
  3. (٣) في "غ، ص": "المستمر".
  4. (٤) هي خشبات يوضع الشيء بينهما، والمقصود خشبة الصليب. وانظر فيما سبق ص (٣٨).
252

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي