هكذا أخبر به إشَعْيًا في نبوته وطابق١ خَبَرُه ما أخبرَ به النبيُّ ﷺ في الحديث الصحيح في خروجِ الدجَّال وقَتْلِ المسيح ابن مريم له، وخروج يأجوج ومأجوج في أثره ومحقهم من الأرض، وإرسالِ البركة والأَمْن في الأرض حتى ترعى الشاة والذئب، وحتى إنَّ الحيَّاتِ والسِّبَاعَ لا تَضُرُّ الناس٢.
فصلوات الله وسلامه على مَنْ جاء بالهدى والنُّورِ وتَفْصيْلِ كل شيء وبيانِهِ. فأهلُ الكتاب عندهم عن أنبيائهم حقٌّ كثير، لا يعرفونه ولا يحسنون أن يضعوه مواضعه.
ولقد أكمل الله سبحانه بمحمدٍ -صلوات الله وسلامه عليه- ما أنزله على الأنبياء ﵈ من الحقِّ وبيَّنه وأَظْهَرَه لأمته، وفَصَّل على لسانه ما أجمله لهم، وشرح ما رَمَزُوا إليه، فجاء بالحقِّ وصدَّق المرسلين، وتمت به نعمة الله على عباده المؤمنين.
فالمسلمون واليهود والنصارى تنتظر مسيحًا يجيء في آخر الزمان، فمسيح اليهود هو الدجال، ومسيح النصارى لا حقيقة له، فإنه عندهم إله وابن إله وخالق ومميت ومحيي، فمسيحهم الذي ينتظرونه: هو المصلوبُ المسمَّرُ٣ المكلَّل بالشوك بين اللصوص٤، المصفوعُ الذي
(١) في "ج": "مطابقًا".
(٢) انظر: إشعياء: (١١/ ٦) و(٦٥/ ٢٥).
(٣) في "غ، ص": "المستمر".
(٤) هي خشبات يوضع الشيء بينهما، والمقصود خشبة الصليب. وانظر فيما سبق ص (٣٨).
هو مصفعة١ اليهود، وهو عندهم ربُّ العالمين وخالق السماوات والأرضين.
ومسيحُ المسلمينَ الذي ينتظرونه: هو عبد الله ورسولُه ورُوحُه، وكلمتُه ألقاها إلى مريم العذراء البَتُول، عيسى ابنُ مريم، أخو عبدِ الله ورسولِه محمدِ بن عبد الله، فيظهر دين الله وتوحيده، ويقتل أعداءَه عبَّاد الصليب الذين اتخذوه وأمه إلهين من دون الله، وأعداءَه٢ اليهودَ الذين رموه وأُمَّه بالعظائم.
فهذا هو الذي ينتظره المسلمون، وهو نازل على المنارة الشرقيَّة بدمشق، واضعًا يديه على منكبي مَلَكَيْن، يراه الناس عِيَانًا بأبصارهم نازلًا من السماء، فيحكم بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، وينفذ ما أضاعه الظَّلَمَةُ والفجرة والخَوَنَةُ من دين رسول الله ﷺ، ويحيي ما أماتوه. وتَعُود الملل كلُّها في زمانه ملةً واحدةً، وهي مِلَّتُه ومِلَّة أخيه محمد ومِلَّة أبيهما إبراهيم ومِلَّة سائر الأنبياء، وهي الإسلام الذي من يبتغي غيره دينًا فلن يُقْبَلَ منه وهو في الآخرة من الخاسرين.
وقد حَمَّل رسولُ الله ﷺ مَنْ أدركه من أمته السَّلامَ، وأمره أن يقرئه إيَّاه منه، فأخبر عن موضع نزوله بأيِّ بلدٍ وبأي مكانٍ منه، وبحالِهِ وقتَ نزوله، ومَلْبَسِه الذي كان عليه، وأنه ممصَّرتان. أي: ثوبان. وأخبر بما يفعل عند نزوله مفصَّلًا حتى كأنَّ المسلمين يشاهدونه عيانًا قبل أن يروه٣.
(١) في "ص، غ": "صفعة".
(٢) في "ص، غ": "أعداء".
(٣) انظر طائفة من الأحاديث في هذا الموضوع مع دراسات موسعة في "التصريح بما تواتر في نزول المسيح" للكشميري، تحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة.