وهذا من جملة الغيوب التي أخبر بها، فوقعت مطابقةً لخبره١ حَذْوَ القُذَّةِ بالقُذَّة، فهذا مُنْتَظَر المسلمين لا منتظر المغضوب عليهم ولا الضالين، ولا منتظر إخوانهم من الرَّوافِضِ المارقين.
وسوف يعلم المغضوب عليهم إذا جاء منتظر المسلمين: أنَّه ليس بابن يوسف النجَّار، ولا هو ولد زِنْيَة٢، (ولا كان)٣ طبيبًا حاذقًا ماهرًا في صناعته استولى على العقول بصناعته، ولا كان ساحرًا ممخرقًا، ولا مُكِّنوا من صَلْبِه وتسميره وصَفْعِهِ وقَتْلِه؛ بل كانوا أَهْونَ على الله من ذلك.
ويعلم الضالون أنَّه ابن البشر، وأنَّه عبد الله ورسوله، ليس بإلهٍ ولا ابن إله، وأنه بَشَّر بنبوَّة محمدٍ أخيه أولًا وحكم بشريعته ودينه آخرًا، وأنه عدو المغضوب عليهم والضالين، ووليُّ رسولِ الله وأتباعه المؤمنين، وما كان أولياؤه٤ الأرجاسَ الأنجاسَ عَبَدَةَ الصُّلْبان والصُّوَر المدهونة في الحيطان، إنْ أولياؤه إلا الموحِّدون عُبَّاد الرحمن، أهل الإسلام والإيمان، الذين نزَّهوه وأمَّه عمَّا رماهما به أعداؤهما (اليهود، ونزَّهوا ربَّه وخالِقَه ومالِكَه وسيِّده عمَّا رماه به أهل)٥ الشرك والسّبِّ للواحد المعبود.
فَلْنرجِعْ إلى الجواب على طريق من يقول: إنهم غيَّرُوا ألفاظ الكتب
(١) في "غ، ص": "بخبره".
(٢) في "غ، ص": "زانية" وفي "ب، ج": "ريبة".
(٣) في "غ، ص": "لأن".
(٤) في "غ، ص": "أولياء".
(٥) ما بين القوسين ساقط من "غ، ص".
وزادوا ونقصوا. كما أجبنا على طريق من يقول: إنما غيروا معانِيَهَا وتأولوها على غير تأويلها.
قال هؤلاء: نحن لا ندَّعي ولا طائفة من المسلمين أنَّ ألفاظ١ كلِّ نسخةٍ في العالم غُيِّرَتْ وبُدِّلَتْ؛ بل من المسلمين من يقول: إنه غُيِّر بعضُ ألفاظها قبل مبعث رسول الله ﷺ، وغُيِّرتْ بعضُ النُّسَخ بعد مبعثه، ولا يقولون: إنه غُيِّرت كلُّ نسخةٍ في العالم بعد المبعث؛ بل غُيِّر البعضُ، وظهر عند كثيرٍ من الناس تلك النُّسَخُ المغيَّرَة٢ المبدَّلة دون التي لم تُبَدَّلْ، والنُّسَخُ التي لم تُبَدَّلْ موجودةٌ في العالَم.
ومعلومٌ أنَّ هذا مما لا يمكن نَفْيُه والجزم بعدم وقوعه؛ فإنه لا يمكن أحدًا أن يعلم أنَّ كلَّ نسخةٍ في العالم على لفظ واحد بسائر الألسنة، ومَنِ الذي أحاط بذلك علمًا وعقلًا؟!
أهل الكتاب يعلمون أنَّ أحدًا لا يمكنه ذلك.
وأما من قال من المسلمين: إن التغيير وقع في أول الأمر، فإنهم قالوا: إنه وقع أولًا من عازر الورَّاق، في "التوراة" في بعض الأمور؛ إما عمدًا وإما خطأ، فإنه لم يقم دليل على عصمته، ولا أنَّ تلك الفصول التي جمعها من التوراة بعد احتراقها هي عين التوراة التي أُنزلت على موسى، وقد ذكرنا أنَّ فيها ما لا يجوز نسبته إلى الله، وأنه أنزله على رسوله وكليمه، وتَرَكْنَا كثيرًا لم نذكره.
وأما الإنجيل: فهو أربعة أناجيل أُخِذَتْ عن أربعة نفر؛ اثنان منهم