وزادوا ونقصوا. كما أجبنا على طريق من يقول: إنما غيروا معانِيَهَا وتأولوها على غير تأويلها.
قال هؤلاء: نحن لا ندَّعي ولا طائفة من المسلمين أنَّ ألفاظ١ كلِّ نسخةٍ في العالم غُيِّرَتْ وبُدِّلَتْ؛ بل من المسلمين من يقول: إنه غُيِّر بعضُ ألفاظها قبل مبعث رسول الله ﷺ، وغُيِّرتْ بعضُ النُّسَخ بعد مبعثه، ولا يقولون: إنه غُيِّرت كلُّ نسخةٍ في العالم بعد المبعث؛ بل غُيِّر البعضُ، وظهر عند كثيرٍ من الناس تلك النُّسَخُ المغيَّرَة٢ المبدَّلة دون التي لم تُبَدَّلْ، والنُّسَخُ التي لم تُبَدَّلْ موجودةٌ في العالَم.
ومعلومٌ أنَّ هذا مما لا يمكن نَفْيُه والجزم بعدم وقوعه؛ فإنه لا يمكن أحدًا أن يعلم أنَّ كلَّ نسخةٍ في العالم على لفظ واحد بسائر الألسنة، ومَنِ الذي أحاط بذلك علمًا وعقلًا؟!
أهل الكتاب يعلمون أنَّ أحدًا لا يمكنه ذلك.
وأما من قال من المسلمين: إن التغيير وقع في أول الأمر، فإنهم قالوا: إنه وقع أولًا من عازر الورَّاق، في "التوراة" في بعض الأمور؛ إما عمدًا وإما خطأ، فإنه لم يقم دليل على عصمته، ولا أنَّ تلك الفصول التي جمعها من التوراة بعد احتراقها هي عين التوراة التي أُنزلت على موسى، وقد ذكرنا أنَّ فيها ما لا يجوز نسبته إلى الله، وأنه أنزله على رسوله وكليمه، وتَرَكْنَا كثيرًا لم نذكره.
وأما الإنجيل: فهو أربعة أناجيل أُخِذَتْ عن أربعة نفر؛ اثنان منهم
(١) ساقطة من "د".
(٢) ساقطة من "ص، غ".
لم يَرَيَا المسيح أصلًا، وهما: مَرْقُس ولُوقَا، واثنان رأياه واجتمعا به، وهما مَتَّى ويُوحَنَّا، وكل منهم يزيد وينقص ويخالف إنجيلُه (إنجيلَ أصحابه)١ في أشياء، وفيها ذِكْرُ القولِ ونقيضِه.
ففيه أنه قال: "إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي غير مقبولة، ولكن غيري يشهد لي"٢.
وقال في موضع آخر: "إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي حق لأني أعلم من أين جئتُ وإلى أين أذهب"٣.
وفيه أنه لما استشعر بوثوب اليهود عليه قال: "قد جَزِعَتْ نفسي الآن فماذا أقول؟! يا أبتاه سَلِّمني من هذا الوقت"٤. وأنه لما رفع على خشبة الصلب صاح صياحًا عظيمًا وقال: "يا إلهي! لِمَ أَسْلَمْتَنِي"٥؟!
فكيف يجتمع هذا مع قولكم: إنه هو الذي اختار إسلام نفسه إلى اليهود ليصلبوه ويقتلوه رحمةً منه بعباده حتى فداهم بنفسه من الخطايا، وأخرج بذلك آدم ونوحًا وإبراهيم وموسى وجميع الأنبياء من جهنم بالحيلة التي دبَّرها على إبليس؟
وكيف يجزع إله العالم من ذلك؟ وكيف يسأل السلامة منه وهو الذي اختاره ورضيه؟! وكيف يشتد صياحه ويقول: "يا إلهي لِمَ