هداية الحيارى

منادٍ١ المفاوز"٢. ولا يجوز لنبيٍّ أن ينكر نبوته؛ فإنه يكون مخبرًا بالكذب.

ومن العجب أن في إنجيل مَتَّى نسبة المسيح إلى أنه ابن يوسف٣، فقال: عيسى بن يوسف بن فلان، ثم عدَّ إلى إبراهيم الخليل تسعة وثلاثين أبًا٤. ثم نسبه لوقا أيضًا في إنجيله إلى يوسف، وعدَّ منه إلى إبراهيم نيَفًا وخمسين أبًا٥.

فبينا هو إله تام إذ صيَّرُوه ابن الإله، ثم جعلوه ابن يوسف النجار؟!.

والمقصود: أنَّ هذا الاضطراب في "الإنجيل" يشهد بأنَّ التغيير وقع فيه قطعًا، ولا يمكن أن يكون ذلك من عند الله، (بل الاختلاف الكثير الذي فيه يدلُّ على أن ذلك الاختلافَ من عند غير الله)٦.

وأنت إذا اعتبرتَ نُسَخَهُ ونُسَخَ التوراة التي بأيدي اليهود والسَّامرة والنَّصارى رأيتَها مختلفةً اختلافًا يقطع مَنْ وقف عليه بأنَّه من جهة التغيير والتبديل. وكذلك نُسَخُ "الزبور" مختلفةٌ جدًّا.

ومن المعلوم أنَّ نسخ التوراة والإنجيل إنما هي عند رؤساء اليهود

  1. (١) في "ص، غ": "منادٍ في".
  2. (٢) إنجيل يوحنا: (١/ ١٩ - ٢٤).
  3. (٣) في "ج، ص، غ": "يوسف النجار".
  4. (٤) إنجيل متى: (١/ ١).
  5. (٥) إنجيل لوقا: (٣/ ٢٣).
  6. (٦) ما بين القوسين ساقط من "د".
259

والنصارى وليست عند عامتهم، ولا يحفظونها في صدورهم كحفظ المسلمين للقرآن، ولا يمتنع على الجماعة القليلة التواطؤُ على تغيير بعض النسخ، ولاسيما إذا كان بَقيَّئتُهم لا يحفظونها، فإذا قصدتْ طائفةٌ منهم تغيير نسخةٍ أو نُسَخٍ)١ عندهم أمْكَنَ ذلك، ثم إذا تواطؤوا على أن لا يذكروا ذلك لعوامِّهم وأتباعهم أَمْكَنَ ذلك، وهذا واقعٌ في العالم كثيرًا.

فهؤلاء اليهود تواطؤوا وتواصَوا بكتمانِ نبوَّة المسيحِ وجَحْدِ البشارة به وتحريفِهَا، واشتهر ذلك بين طائفتهم في الأرض، مشارقها ومغاربها.

وكذلك تواطؤوا على أنه كان طبيبًا ساحرًا ممخرقًا ابنَ زانيةٍ، وتواصوا به مع رؤيتهم الآيات الباهرات التي أُرسل بها وعِلْمِهم أنه أبعد خَلْق الله ممّا رُمي به، وشاع ما تواطؤوا عليه وملؤوا به كتبهم شرقًا وغربًا.

وكذلك تواطؤوا على أنَّ لوطًا نكح ابنتيه وأَوْلَدَهُمًا أولادًا وشاع ذلك فيهم جميعهم.

وتواطؤوا على أن الله ندم وبكى على الطوفان وعضَّ أنامِلَه، وصارع يعقوب فصرعَهُ يعقوبُ، وأنه راقِدٌ عنهم، وأنهم يسألونه أن ينتبه من رقدته وشاع ذلك في جميعهم.

وكذلك تواطؤوا على فصولٍ لفَّقُوها بعد زوال مملكتهم يُصَلُّون بها، لم تعرف٢ عن موسى ولا عن أحد من أتباعه، كقولهم في

  1. (١) ما بين القوسين ساقط من "د".
  2. (٢) في "ص، غ": "يعرف".
260

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي