ما أخبر به، وأنه كان أوسعهم علمًا بما في كتب الأنبياء، وقد كان الصحابة يمتحنون ما ينقله ويَزِنُونَه بما يعرفون١ صِحَّتَه فيعلمون صِدْقَه، وشهدوا له بأنه أصدق الذين يحكون لهم عن أهل الكتاب، أو مِنْ أصْدَقِهم.
ونحن اليومَ ننوب عن عبد الله بن سلام، وقد أوجدناكم٢ هذه البشاراتِ في كتبكم، فهي شاهدةٌ لنا عليكم، والكتبُ بأيديكم فَأْتُوا بها فَاتْلُوها إن كنتم صادقين. وعندنا ممن وفقه الله للإسلام منكم من يوافقكم ويُقابلكم ويُحاقِقكم عليها، وإلا فاشهدوا على أنفسكم بما شهد الله وملائكتُه وأنبياؤه ورسلُه وعبادُه المؤمنون به عليكم من الكفرِ والتَّكْذيبِ، والجَحْد للحقِّ، ومعاداةِ الله ورسوله.
(الوجه الثالث) أنه لو أتاكم عبد الله بن سلام بكلِّ نسخةٍ متضمِّنةٍ لغاية٣ البيان والصَّراحةِ: لكان في بَهْتِكم وعنادكم وكَذِبكم ما يدفع في وجوهها ويحرِّفُها أنواعَ التَّحريف ما وجد إليه سبيلًا، فإذَا جاءكم بما لا قِبَلَ لكم به قلتم: ليس هو، ولم يأت بعد، وقلتم: نحن لا نفارق حكم التوراة، ولا نتبع نبيَّ الأميِّيْن.
وقد صرَّح أسلافكم الذين شاهدُوا رسولَ الله ﷺ وعايَنُوه أنه رسولٌ حقًّا، وأنه (المبشَّر به)٤، الموعودُ به على ألسنة الأنبياء المتقدمين.
(١) في "ب، غ، ص": "يعرّفهم".
(٢) في "ب، د": "وجدنا".
(٣) في "غ، ص": "بغاية".
(٤) ساقط من "ج".
وقال من قال منهم في وجهه: نشهد أنك نبيٌّ فقال: "ما يمنعك من اتباعي"؟ قال: إنا نخاف أن (يقتلنا يهود)١. وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ٩٦ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾[يونس: ٩٦، ٩٧]. وقد جاءكم بآيات هي أعظم من بشارات الأنبياء به وأظهر؛ بحيث إنَّ كل آيةٍ منها يصلح أن يؤمنَ على مِثْلها البَشَرُ، فما زادكم ذلك إلا نُفُورًا وتكذيبًا وإباءً لقَبول الحقِّ، فلو نزَّل الله عليكم ملائكته (وكلَّمكم الموتى، وشهد له بالنبوة كلُّ رطْبٍ ويابس)٢ لغلبت عليكم الشِّقْوةُ٣ وصرتم إلى ما سبق لكم في أمِّ الكتاب.
وقد رأى من كان أعقلَ منكم وأبْعَدَ من الحسد مِنْ آيات الأنبياء ما رأوا وما زادهم ذلك إلا تكذيبًا وعنادًا، فأسلافُكم وقدوتكم في تكذيب الأنبياء من الأمم لا يحصيهم إلا الله حتى كأنكم تواصيتم بذلك؛ أوصى به الأول للآخر، واقتدى فيه الآخر بالأول.