الهوى، (ومنهم من حمله محبة الآباء والأسلاف وحسن الظن)١ بهم، ومنهم من حمله أُلْفَةُ٢ الدِّين الذي نشأ عليه وجبل بطبعه فصار انتقاله عنه كمفارقة الإنسان ما طُبع عليه. وأنت ترى هذا السبب كيف هو الغالب المستولي على أكثر بني آدم في إيثارهم ما اعتادوه من المطاعم والمشارب والملابس والمساكن والديانات على ما هو خيرٌ منه وأَوْفَقُ بكثير" (ومنهم من حَمَلَه التقليدُ والجهل)٣، وهم الأتباع الذين ليس لهم علم. ومنهم من حمله الخوف من فوات محبوب أو حصول مرهوب٤.
فلم ننسب٥ هاتين الأمتين إلى الغرض المذكور وحده.
(الثالث) أنا قد بينَّا أنَّ الأمم الذين كانوا قبلهم٦ كانوا أكثر عددًا وأغزر عقولًا منهم، وكلُّهم اختاروا العَمَى على الهدى، والكفر على الإيمان بعد البصيرة، فلهاتين الأمتين سَلَفٌ كثير، وهم أكثر الخلق.
(الرابع) أنَّ عبد الله بن سلام وذويه٧ إنما أسلموا في وقتِ شدَّةٍ من الأمر وقلةٍ من المسلمين وضعفٍ وحاجة، وأهلُ الأرضِ مُطْبقونَ على عداوتهم، واليهودُ والمشركون هم أهل الشوكة والعُدَّةَ والحَلْقة
(١) ما بين القوسين ساقط من "د، ص".
(٢) في "د": "محبة ألفة".
(٣) ساقط من "ب، ج".
(٤) في "غ، ص": "مرحوب".
(٥) في جميع الأصول "تنسب"، ولعلها تصحيف.
(٦) في "ب" صححت إلى: "عليهم" من نسخة أخرى.
(٧) في "د": "ومن دونه".
والسلاح، ورسولُ الله ﷺ وأصحابه إذ ذاك قد أَوَوا١ إلى المدينة، وأعداؤهم يتطلبونهم في كل وجه، وقد بذلوا الرغائب لمن جاءهم بهم، فخرج رسول الله ﷺ وصاحبه وخادمهما (فاستخفوا ثلاثًا)٢ في غار تحت الأرض، ثم خرجوا بعد ثلاث على غير الطريق إلى أن قدموا المدينة، والشوكةُ والعَدد والعُدّة فيها لليهود والمشركين، فأسلم عبد الله بن سلام حين مقدم النبي ﷺ المدينة لما رأى أعلام النبوة التي كان يعرفها وشاهدها فيه، وتَرَكَ الأغراضَ التي منعتِ المغضُوبَ عليهم من الإسلام؛ من الرياسة والمال والجاه بينهم. وقد شهدوا له كلهم عند رسول الله ﷺ أنه رئيسهم وخيرهم وسيدهم، فَعَلِم أنهم إنْ علموا بإسلامه أخرجوه من تلك الرياسة والسيادة، فأحبَّ أن يعلم رسولُ الله ﷺ بذلك، فقال: أدْخِلْني بعضَ بيوتك وسَلْهم عنِّي، ففعل، وسألهم عنه فأخبروه أنه سيدهم ورئيسهم وعالمهم، فخرج عليهم وذكَرهم وأوقفهم على أنهم يعلمون أنه رسول الله، وقابلهم بذلك، فسبُّوه وقدحوا فيه وأنكروا رياسته وسيادته وعلمه.
فلو كان عبدُ الله بن سلام ممن يؤثر عَرَضَ الدنيا والرياسة لفعل كما فعله إخوان القردة وأمةُ الغضب والقومُ البُهُتُ.
وهكذا شأن من أسلم من اليهود حينئذ.
وأما المتخلفون٣ فكثير منهم صرح بغرضه لخاصته وعامته،