هداية الحيارى

ويجحد فضلهم ومعرفتهم، وينكر ما خصَّهم الله به وميَّزهم على مَنْ قبلهم، ومن هو كائن مِنْ بعدهم إلى يوم القيامة؟!

وقد كان الحواريون الذين نقلوا لأتباع المسيح معالم دينه وسيرة المسيح، لا يعلمون شيئًا (من ذلك، حتى منَّ الله بالمسيح، وشاهدوا ما خصَّه الله به من الآيات، وأظهر على يده المعجزات، وكمّل نفوسهم بالعلوم الإلهية والفضائل النفسانية، فصاروا يفعلون ما نقله الجمُّ الغفير إلينا عنهم من العجائب، ويدوِّنون العلوم. كلُّ ذلك ببركته. وكذلك هؤلاء - أعني الصحابة ﵃١.

وكيف يكونون عوامَّ في ذلك وهم أذكى الناس فطرةً وأزكاهم نفوسًا، وهم يتلقَّونه غضًّا طريًّا ومحضًا لم يُشَبْ عن نبيهم، وهم أحرص الناس عليه وأشوقهم إليه، وخبر السماء يأتيهم على لسانه في ساعات الليل والنهار والحضر والسفر، وكتابُهم قد اشتمل على علومِ الأولين والآخرين، وعلمِ ما كان من المبدأ والمعاد، وتخليق العالم وأحوال الأمم الماضية، والأنبياء وسِيَرِهم وأحوالهم مع أُممهم، ودرجاتهم ومنازلهم عند الله، وعددهم، وعدد المرسلين منهم، وذِكْرِ كتبهم، وأنواع العقوبات التي عذَّب الله بها أعداءهم، وما أكرم به أتباعَهم، وذِكْرِ الملائكَة وأصنافهم وأنواعهم وما وكلوا به واستعملوا فيه، وذِكْرِ اليوم الآخر وتفاصيل أحواله، وذكر الجنة (وتفاصيل نعيمها والنار وتفاصيل عذابها)٢، وذكر البَرْزخَ وتفاصيل أحوال الخلق فيه٣، وذكر أشراط

  1. (١) ما بين القوسين من "د" فقط.
  2. (٢) في "غ، ص" هكذا: "والنار، وتفاصيل نعيم الجنة وتفاصيل عذاب النار".
  3. (٣) من قوله "وذكر البرزخ … " ساقط من "غ، ص".
277

الساعة والإخبار بها مفصلًا بما لم يتضمنه كتاب غيره من حين قامت الدنيا وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، كما أخبر به المسيح عنه من قوله في الإنجيل وقد بشَّرهم به فقال: "وكل شيء أعدَّه الله تعالى لكم يخبركم به"١ وفي موضع آخر منه: "ويخبركم بالحوادث والغيوب"٢. وفي موضع آخر: "ويعلمكم كل شيء"٣ وفي موضع آخر منه: "يحيي لكم الأسرار، ويفسر لكم كل شيء، وأجيئكم بالأمثال وهو يجيئكم بالتأويل"٤ وفي موضع آخر: "إن لي كلامًا كثيرًا أريد أن أقوله لكم ولكنكم لا تستطيعون حمله، لكن إذا جاء روح الحق ذلك يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه ليس ينطق من عنده بل يتكلم بما يسمع، ويخبركم بكل ما يأتي، ويعرفكم جميع ما للأب"٥.

فمَنْ هذا عِلمُه بشهادة المسيح، وأصحابه يتلقَّون ذلك جميعه عنه، وهم أذكى الخلق وأحفظهم وأحرصهم، كيف تدانيهم أمة من الأمم في هذه العلوم والمعارف؟.

ولقد صلَّى رسولُ الله ﷺ يومًا صلاةَ الصُّبْح ثم صعد المنبر فَخَطَبَهُمْ حتى خَضَرتِ الظهر، ثم نزل فصلَّى، وصعد فخطبهم حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلَّى وخطبهم حتى حضرتِ المغرب، فلم يَدَعْ شيئًا إلى قيام السَّاعة إلا أخبرهم به. فكان أَعْلَمُهم أحْفَظَهم٦.

  1. (١) إنجيل يوحنا: (١٦/ ١٣).
  2. (٢) الموضع نفسه.
  3. (٣) السابق: (١٦/ ١٤).
  4. (٤) إنجيل يوحنا: (١٦/ ٢٥).
  5. (٥) إنجيل يوحنا: (١٦/ ١٢ - ١٣).
  6. (٦) أخرجه مسلم في الفتن، باب إخبار النبي ﷺ فيما سيكون: (٤/ ٢٢١٧).
278

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي