الساعة والإخبار بها مفصلًا بما لم يتضمنه كتاب غيره من حين قامت الدنيا وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، كما أخبر به المسيح عنه من قوله في الإنجيل وقد بشَّرهم به فقال: "وكل شيء أعدَّه الله تعالى لكم يخبركم به"١ وفي موضع آخر منه: "ويخبركم بالحوادث والغيوب"٢. وفي موضع آخر: "ويعلمكم كل شيء"٣ وفي موضع آخر منه: "يحيي لكم الأسرار، ويفسر لكم كل شيء، وأجيئكم بالأمثال وهو يجيئكم بالتأويل"٤ وفي موضع آخر: "إن لي كلامًا كثيرًا أريد أن أقوله لكم ولكنكم لا تستطيعون حمله، لكن إذا جاء روح الحق ذلك يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه ليس ينطق من عنده بل يتكلم بما يسمع، ويخبركم بكل ما يأتي، ويعرفكم جميع ما للأب"٥.
فمَنْ هذا عِلمُه بشهادة المسيح، وأصحابه يتلقَّون ذلك جميعه عنه، وهم أذكى الخلق وأحفظهم وأحرصهم، كيف تدانيهم أمة من الأمم في هذه العلوم والمعارف؟.
ولقد صلَّى رسولُ الله ﷺ يومًا صلاةَ الصُّبْح ثم صعد المنبر فَخَطَبَهُمْ حتى خَضَرتِ الظهر، ثم نزل فصلَّى، وصعد فخطبهم حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلَّى وخطبهم حتى حضرتِ المغرب، فلم يَدَعْ شيئًا إلى قيام السَّاعة إلا أخبرهم به. فكان أَعْلَمُهم أحْفَظَهم٦.
(١) إنجيل يوحنا: (١٦/ ١٣).
(٢) الموضع نفسه.
(٣) السابق: (١٦/ ١٤).
(٤) إنجيل يوحنا: (١٦/ ٢٥).
(٥) إنجيل يوحنا: (١٦/ ١٢ - ١٣).
(٦) أخرجه مسلم في الفتن، باب إخبار النبي ﷺ فيما سيكون: (٤/ ٢٢١٧).
وخطبهم مرة أخرى خُطْبةً فذكَرَ بَدْأ الخلق حتى دخل أهلُ الجنَّة منازلَهم وأهلُ النار منازلهم١.
وقال يهوديٌّ لسَلْمان: لقد علَّمكم نبيُّكم كلَّ شيء حتى الخراءة! قال: أجل٢؟!.
فهذا اليهوديُّ كان أعلم بنبيِّنا من هذا السائل وطائفته!
وكيف يُدَّعى في أصحاب نبيِّنا أنهم عوام، وهذه العلوم النافعة المبثوثة في الأمة -على كثرتها واتساعها وتفنن ضروبها- إنما هي عنهم مأخوذة، ومن كلامهم وفتاويهم مستنبطة؟
وهذا عبد الله بن عباس كان من صبيانهم وفتيانهم وقد طَبَّقَ الأرض علمًا، وبلغت فتاويه نحوًا من ثلاثين سِفْرًا، وكان بحرًا لا يَنْزِف، لو نزل به أهلُ الأرض لأوسعهم علمًا، وكان إذا أخذ في الحلال والحرام والفرائض يقول القائل: لا يحسن سواه، (فإذا أخذ في تفسير القرآن ومعانيه يقول السامع: لا يحسن سواه)٣، فإذا أخذ في السنَّة والرواية عن النبيِّ ﷺ يقول القائل: لا يحسن سواه، فإذا أخذ في القصص وأخبار الأمم وسِيَر الماضين فكذلك، فإذا أخذ في أنساب العرب وقبائلها وأصولها وفروعها فكذلك، فإذا أخذ٤ في الشِّعر والغريب فكذلك٥.
(١) أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب ما جاء في قوله تعالى "وهو الذي يبدأ الخلق": (٦/ ٢٨٦ - ٢٨٧)، ومسلم في الموضع السابق نفسه.
(٢) أخرجه مسلم في الطهارة: (١/ ٢٢٣).
(٣) ساقط من "غ، ج" وكأنه انتقال نظر من الناسخ.
(٤) ساقطة من "ج".
(٥) انظر: "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" لابن عبد البر: (٣/ ٩٣٩).