هداية الحيارى

وخطبهم مرة أخرى خُطْبةً فذكَرَ بَدْأ الخلق حتى دخل أهلُ الجنَّة منازلَهم وأهلُ النار منازلهم١.

وقال يهوديٌّ لسَلْمان: لقد علَّمكم نبيُّكم كلَّ شيء حتى الخراءة! قال: أجل٢؟!.

فهذا اليهوديُّ كان أعلم بنبيِّنا من هذا السائل وطائفته!

وكيف يُدَّعى في أصحاب نبيِّنا أنهم عوام، وهذه العلوم النافعة المبثوثة في الأمة -على كثرتها واتساعها وتفنن ضروبها- إنما هي عنهم مأخوذة، ومن كلامهم وفتاويهم مستنبطة؟

وهذا عبد الله بن عباس كان من صبيانهم وفتيانهم وقد طَبَّقَ الأرض علمًا، وبلغت فتاويه نحوًا من ثلاثين سِفْرًا، وكان بحرًا لا يَنْزِف، لو نزل به أهلُ الأرض لأوسعهم علمًا، وكان إذا أخذ في الحلال والحرام والفرائض يقول القائل: لا يحسن سواه، (فإذا أخذ في تفسير القرآن ومعانيه يقول السامع: لا يحسن سواه)٣، فإذا أخذ في السنَّة والرواية عن النبيِّ ﷺ يقول القائل: لا يحسن سواه، فإذا أخذ في القصص وأخبار الأمم وسِيَر الماضين فكذلك، فإذا أخذ في أنساب العرب وقبائلها وأصولها وفروعها فكذلك، فإذا أخذ٤ في الشِّعر والغريب فكذلك٥.

  1. (١) أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب ما جاء في قوله تعالى "وهو الذي يبدأ الخلق": (٦/ ٢٨٦ - ٢٨٧)، ومسلم في الموضع السابق نفسه.
  2. (٢) أخرجه مسلم في الطهارة: (١/ ٢٢٣).
  3. (٣) ساقط من "غ، ج" وكأنه انتقال نظر من الناسخ.
  4. (٤) ساقطة من "ج".
  5. (٥) انظر: "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" لابن عبد البر: (٣/ ٩٣٩).
279

قال مجاهد: العلماء أصحاب محمد ﷺ.

وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٦]. قال: هم أصحاب محمد ﷺ١.

ولما حضر معاذًا الموتُ قيل له: أَوْصِنَا. قال: أجْلِسُوني، إنَّ العلم والإيمان (بمكانهما مَنِ اقتفاهما وجدهما)٢ عند أربعةِ رَهْطٍ: عند عُوَيْمر أبي الدَّرْدَاء، وعند سَلْمانَ الفَارِسيّ، وعند عبدِ الله بنِ مسعودٍ، وعند عبد اللهِ بنِ سَلَام، فإنّي سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إنَّه عاشِرُ عَشْرةٍ في الجنَّةِ"٣.

وقال أبو إسحاق السَّبِيْعيّ: قال عبد الله: علماء الأرض ثلاثة؛ فرجل بالشام، وآخر بالكوفة، وآخر بالمدينة. فأما هذان فيَسْألان الذي بالمدينة، والذي بالمدينة لا يَسْألُهما عن شيء٤.

وقيل لعليِّ بن أبي طالب: حدِّثْنا عن أصحاب رسول الله ﷺ، قال: عن أيِّهم؟ قالوا: عن عبد الله بن مسعود، قال: قرأ القرآنَ وعَلِم السنَّة، ثم انتهى، وكفى بذلك.

  1. (١) انظر: "تفسير البغوي": (٣/ ٥٩٤)، "الدر المنثور": (٥/ ٢٢٦).
  2. (٢) ساقط من "غ، ص".
  3. (٣) أخرجه الترمذي في المناقب، باب مناقب عبد الله بن سلام: (٥/ ٦٧١) وقال: "هذا حديث حسن صحيح غريب"، وعبد الرزاق في المصنف برقم (٢٠١٦٤).
  4. (٤) أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق": (١٣/ ١٧٣)، والذهبي في "سير أعلام النبلاء": (٢/ ٣٤٣) وقال: "إسناده ضعيف". والمراد بعالم الكوفة: عبد الله بن مسعود، وعالم الشام أبو الدرداء، وعالم المدينة علي بن أبي طالب، كما في رواية الذهبي.
280

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي