هداية الحيارى

ثم قال-: وهم فوقَنا في كلِّ علمٍ واجتهادٍ، وورعٍ وعَقْلٍ، وأمر استُدْرِك به عِلمٌ، وآراؤهم لنا أحْمَدُ وأولى بنا من آرائنا، ومَنْ أدركنا ممن نرضى أو حكي لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم يعلموا فيه سنة إلى قولهم إن اجتمعوا أو قول بعضهم إن تفرَّقوا، وكذلك نقول ولم نخرج من أقاويلهم كلِّهم.

وقال الشافعيُّ: وقد أثنى الله على الصحابة في التوراة والإنجيل والقرآن، وسبَقَ لهم على لسان نبيِّهم ﷺ من الفضل ما ليس لأحدٍ بعدهم١.

وقال أبو حنيفة: إذا جاء عن النبيِّ ﷺ فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن الصحابة نختار مِنْ قولهم ولم نَخْرج عنه٢.

وقال ابن القاسم: سمعت مالكًا يقول: لما دخل أصحابُ رسول الله ﷺ الشَّام نظر إليهم رجلٌ من أهل الكتاب فقال: ما كان أصحابُ عيسى ابنِ مريمَ الذين قُطِّعوا بالمناشير وصُلِّبوا على الخشب بأشدَّ اجتهادًا من هؤلاء٣.

  1. (١) انظر: "الرسالة" للإمام الشافعي، ص (٥٩٦) وما بعدها ففيها هذا المعنى، وأشار المصنف ﵀ إلى أن هذا في كتاب الرسالة البغدادية. انظر: "أعلام الموقعين": (١/ ٨٠).
  2. (٢) رواه الصيمري في "أخبار أبي حنيفة وصاحبيه"، ص (١٠ و١١)، والموفق المكي في "مناقب أبي حنيفة" ص (٨٠ - ٨١)، والسيوطي في "تبييض الصحيفة"، ص (٢٩)، وذكره الذهبي في "مناقب أبي حنيفة وصاحبيه"، ص (٣٢ - ٣٣).
  3. (٣) انظر: "أعلام الموقعين" للمصنف ﵀: (٢/ ٣٠٩)، "الاستيعاب" لابن عبد البر: (١/ ١٣).
292

وقد شهد لهم الصادقُ المَصْدُوق الذي لا يَنْطِق عن الهوى: بأنهم خير القُرون على الإطلاق١.

كما شهد لهم ربُّهم ﵎ بأنهم خير الأُمم على الإطلاق٢. وعلماؤهم وتلاميذهم هم الذين ملؤوا الأرض عِلمًا، فعلماء الإسلام كلُّهم تلاميذُهم وتلاميذُ تلاميذِهم وهلمَّ جرًّا. وهؤلاء الأئمة الأربعة الذين طبَّق عِلْمُهم الأرض شرقًا وغربًا هم تلاميذُ تلاميذِهم. وخيارُ ما عندَهم ما كان عن الصحابة، وخيارُ الفقه ما كان عنهم، وأصحُّ التفسير ما أُخِذ عنهم.

وأما كلامُهم في باب معرفة الله وأسمائه وصفاته، وأفعاله، وقضائه وقدره؛ ففي أعلى المراتب؛ فمن وقف عليه وعرف ما قالَتْه الأنبياءُ عَرفَ٣ أنه مشتقٌّ منه مُتَرْجَم عنه، وكلُّ علمٍ نافعٍ في الأمة فهو مُسْتنبَطٌ من كلامهم ومأخوذٌ عنهم.

وهؤلاء تلاميذهم وتلاميذ تلاميذهم؛ قد طبَّقتْ تصانيفُهم وفتاويهم الأرضَ. فهذا مالكٌ جمعت فتاويه في عِدَّة أسفار، وكذلك أبو حنيفة، وهذه تصانيف الشافعيِّ تقارب المائة، وهذا الإمام أحمد بلغت فتاويه وتآليفه نحو مائة سِفْر، وفتاويه عندنا في نحو عشرين سِفْرًا، وغالب تصانيفه، بل كلُّها عن رسول الله ﷺ وعن الصحابة والتابعين.

  1. (١) كما في حديث: "خيركم قرني ثم الذين يلونهم … " أخرجه البخاري في فضائل الصحابة، باب فضائل أصحاب النبي ﷺ: (٤/ ١٩٦٤).
  2. (٢) في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. انظر: "تفسير البغوي": (١/ ٤٠٣ - ٤٠٤).
  3. (٣) ساقطة من "غ، ص".
293

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي