هداية الحيارى

وقد شهد لهم الصادقُ المَصْدُوق الذي لا يَنْطِق عن الهوى: بأنهم خير القُرون على الإطلاق١.

كما شهد لهم ربُّهم ﵎ بأنهم خير الأُمم على الإطلاق٢. وعلماؤهم وتلاميذهم هم الذين ملؤوا الأرض عِلمًا، فعلماء الإسلام كلُّهم تلاميذُهم وتلاميذُ تلاميذِهم وهلمَّ جرًّا. وهؤلاء الأئمة الأربعة الذين طبَّق عِلْمُهم الأرض شرقًا وغربًا هم تلاميذُ تلاميذِهم. وخيارُ ما عندَهم ما كان عن الصحابة، وخيارُ الفقه ما كان عنهم، وأصحُّ التفسير ما أُخِذ عنهم.

وأما كلامُهم في باب معرفة الله وأسمائه وصفاته، وأفعاله، وقضائه وقدره؛ ففي أعلى المراتب؛ فمن وقف عليه وعرف ما قالَتْه الأنبياءُ عَرفَ٣ أنه مشتقٌّ منه مُتَرْجَم عنه، وكلُّ علمٍ نافعٍ في الأمة فهو مُسْتنبَطٌ من كلامهم ومأخوذٌ عنهم.

وهؤلاء تلاميذهم وتلاميذ تلاميذهم؛ قد طبَّقتْ تصانيفُهم وفتاويهم الأرضَ. فهذا مالكٌ جمعت فتاويه في عِدَّة أسفار، وكذلك أبو حنيفة، وهذه تصانيف الشافعيِّ تقارب المائة، وهذا الإمام أحمد بلغت فتاويه وتآليفه نحو مائة سِفْر، وفتاويه عندنا في نحو عشرين سِفْرًا، وغالب تصانيفه، بل كلُّها عن رسول الله ﷺ وعن الصحابة والتابعين.

  1. (١) كما في حديث: "خيركم قرني ثم الذين يلونهم … " أخرجه البخاري في فضائل الصحابة، باب فضائل أصحاب النبي ﷺ: (٤/ ١٩٦٤).
  2. (٢) في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. انظر: "تفسير البغوي": (١/ ٤٠٣ - ٤٠٤).
  3. (٣) ساقطة من "غ، ص".
293

وهذا علَّامتهم١ المتأخر "شيخ الإسلام ابن تيمية" جمع بعضُ أصحابِه فتاواه في ثلاثين مجلدًا ورأيتها في الديار المصريَّة.

وهذه تآليف أئمة الإسلام التي لا يُحْصِيها إلا الله، وكلُّهم -من أولهم إلى آخرهم- يُقِرُّ للصحابة بالعلم والفضل، ويعترف بأن عِلْمَه بالنسبة إلى علومهم كعلومهم بالنسبة إلى علم نبيِّهم.

وفي "الثقفيات" حدَّثنا قُتَيْبَةُ بن سعيد، عن سعيد بن عبد الرحمن المعافري، عن أبيه، أنَّ كعبًا رأى حَبْر اليهود يبكي، فقال له: ما يُبْكيك؟ قال: ذكرتُ بعض الأمر، فقال كعب: أَنْشُدُك الله لئن أخبرتُك ما أبكاك لتصدقنِّي؟ قال: نعم. قال: أنشُدُك الله: هل تجد في كتاب الله المنزَّل أنَّ موسى نظر في التوراة فقال: ربِّ إني أجدُ خير أمة أُخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالكتاب الأول والكتاب الآخر ويقاتلون أهل الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الدجَّال. فَاجْعَلْهُم أمتي. قال: هم أمة أحمد يا موسى؟ قال الحَبْر: نعم.

قال كعب: فأنشُدُك الله، هل تجدُ في كتاب الله المنزَّل أن موسى نظر في التوراة فقال: يا ربِّ إني أجد أمةً هم الحمَّادون رعاة الشمس المحكَّمون إذا أرادوا أمرًا قالوا: نفعله إن شاء الله. فاجعلهم أمتي. قال: هم أمة أحمد يا موسى؟ قال الحبر: نعم.

فقال كعب: فأنشُدُك الله أتجدُ في كتاب الله المنزَّل أن موسى نظر في التوراة فقال: يا ربّ إني أجد أمة إذا أشرف أحدهم على شَرَفٍ كبَّر الله وإذا هبط حَمِدَ الله؛ الصعيدُ طَهُورهم، والأرض لهم مسجدٌ حيثما

  1. (١) في "ص، غ": "غلامهم".
294

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي