هداية الحيارى

ذلك نسبةُ هذا كلِّه إلى التوراة التي أنزلها على كَلِيْمِه. فلو بلغت ذنوبُ المسلمين ما بلغت لكانت في جنب ذلك كتفلة في بحر!!

ولا تَنْس قصة أسلافهم مع شاؤول الخارجِ على داودَ؛ فإنَّ سوادهم الأعظم انضمَّ إليه وشدُّوا معه على حرب داود، ثم لما عادوا إلى طاعة داود وجاءت وفودهم وعساكرهم مستغفرين معتذرين بحيث اختصموا في السَّبْق إليه فنبغ منهم شخص ونادى بأعلى صوته: لا نصيبَ لنا في داود ولا حظَّ في شاؤول١، ليَمْضِ كلٌّ منكم إلى خبائه يا إسرائيليين، فلم يكن بأوشك من أن ذهب جميع عسكر بني إسرائيل إلى أخبيتهم بسبب كلمته، ولما قتل هذا الصائح عادت العساكر جميعها إلى خدمة داود، فما كان القوم إلا مثل هَمَجٍ رَعَاع، يجمعهم طبل وتفرِّقهم عصا!!.

وهذه الأمة الغضبية، وإن كانوا مفترقين افتراقًا كثيرًا، فيجمعهم فرقتان: القرَّاؤون والربانيون. وكان لهم أسلاف فقهاء، وهم صنَّفوا٢ لهم كتابين: أحدهما يسمى "المشنا" ومبلغ حجمه نحو ثمانمائة ورقة، والثاني يسمى "التلمود"، ومبلغه قريب من نصف حمل بغل. ولم يكن المؤلِّفون له في عصر واحد وإنما ألَّفوه في جيلٍ بعد جيل، فلما نظر متأخروهم إلى ذلك وأنه كلَّما مرَّ عليه الزمان زادوا فيه. وفي الزيادات المتأخرة ما ينقض كثيرًا من أوله، علموا أنهم إنْ لم يقفلوا باب الزيادة وإلا أدَّى إلى الخَلَل الفاحش؛ فقطعوا الزيادة وحظروها على فقهائهم٣

  1. (١) في "غ، ص": "شاييل".
  2. (٢) في "غ، ص": "صنعوا".
  3. (٣) في "غ، ص": "فقايهم".
306

وحرموا من يزيد عليه شيئًا، فوقف الكتاب على ذلك المقدار١.

وكان فقهاؤهم قد حرَّموا عليهم -في هذين الكتابين- مؤاكلةَ مَنْ كان على غير مِلَّتهم، وحظروا عليهم أكل اللحمان من ذبائح مَنْ لم يكن على دينهم، لأنهم عَلِمُوا أنَّ دينهم لا يبقى عليهم مع كونهم تحت الذل والعبودية وقَهْر الأمم لهم إلا أنْ يصدُّوهم عن مخالطة مَنْ كان على غير مِلَّتهم، وحرَّموا عليهم مناكحتهم والأكل من ذبائحهم، ولم يُمْكِنْهم ذلك إلا بحجة يبتدعونها من أنفسهم ويَكْذِبون فيها على الله.

فإن التوراة إنما حرَّمت عليهم مناكحة غيرهم من الأمم لئلا يوافقوا أزواجهم في عبادة الأصنام والكفر بالله.

وإنما حرمت عليهم أكل ذبائح الأمم التي يذبحونها قربانًا للأصنام؛ لأنه سمَّى عليها غير اسم الله، فأما ما ذُكِر عليه اسمُ الله وذُبِح لله فلم تنطق التوراةُ بتحريمه البتَّة، بل نطقت بإباحة أكلهم من أيدي غيرهم من الأمم.

وموسى إنما نهاهم عن مناكحة عُبَّاد الأصنام خاصة، وأكْلِ ما يذبحونه باسم الأصنام.

قالوا: التوراةُ حرَّمت علينا أكل الطريفا، قيل لهم: الطريفا هي الفريسة التي يفترسها الأسد أو الذئب أو غيرهما من السِّباع، كما قال في التوراة: "ولحم في الصحراء فريسة لا تأكلوا وللكلب ألقوه"٢.

  1. (١) انظر: "بذل المجهود في إفحام اليهود" للسموأل بن يحيى المغربي، ص (١٨٣) وما بعدها، فالنص مأخوذ منه بتصرف يسير. وكذلك ما بعده.
  2. (٢) العهد القديم، سفر الخروج: (٢٢/ ٣١).
307

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي