وفي التوراة: "ولحم في الصحراء فريسة لا تأكلوا"٣ فهذا الذي حرمته التوراة من الطريفا، وهذا نزل عليهم وهم في التِّيْه، وقد اشتدَّ قَرَمُهُم٤ إلى اللَّحم فمنعوا من أكل الفريسة والميتة.
ثم اختلفوا في خرافات وهذيانات تتعلق بالرئة، وقالوا: ما كان من الذبائح سليمًا من هذه الشروط فهو "دخيا"٥، وتفسيره: طاهر، وما كان خارجًا عن ذلك فهو: "طريفا"، وتفسيره: نجس حرام.
ثم قالوا: معنى قوله في التوراة: "لحم فريسة في الصحراء لا تأكلوه، للكلب ألقوه" يعني: إذا ذبحتم ذبيحةً، ولم توجد فيها هذه الشروط فلا تأكلوها، بل بيعوها على مَنْ ليس من أهل مِلَّتكم. قالوا: ومعنى قوله: "للكلب ألقوه" أي: لمن ليس على مِلَّتكم فهو الكلب، فأطعِمُوه إيَّاه بالثمن٦.
فتأمَّل هذا التحريفَ والكذبَ على الله وعلى التوراة وعلى موسى، وكذلك٧ كذبهم الله على لسان رسوله في تحريم ذلك فقال في السورة
(١) في "ب، ص": "طوارف". وفي "إفحام اليهود": "طارف طوارف يوسف".
(٢) سفر التكوين: (٣٧/ ٣٣).
(٣) سفر الخروج (٢٢/ ٣١).
(٤) في "ب": "قومهم" وهو تحريف. والقَرَم: شدة الشهوة إلى اللحم.
(٥) في "ب": "دوحنيا".
(٦) انتهى ما نقله بتصرف عن "بذل المجهود في إفحام اليهود" ص (١٨٣ - ١٩٤).
(٧) في "د": "ولذلك".
المدنية التي خاطب فيها أهل الكتاب: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ١١٤ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾[النحل: ١١٤ - ١١٥].
وقال في سورة النحل وهي بعد هذه السورة نزولًا: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾[النحل: ١١٨]. فهذا المحرَّم عليهم بنصِّ التوراة ونصِّ القرآن.
فلما نظر "القرَّاؤون" منهم -وهم أصحاب عنان١ وبنيامين- إلى هذه المُحَالات الشنيعة والافتراء الفاحش والكذب البارد على الله وعلى التوراة وعلى موسى وأنَّ أصحاب "التلمود والمشنا"٢ كذَّابون على الله وعلى التوراة وعلى موسى، وأنهم أصحاب حَماقَاتٍ ورَقَاعاتٍ، وأنَّ أتباعهم ومشايخهم يَزْعُمون أنَّ الفقهاء منهم كانوا إذا اختلفوا في مسألة من هذه المسائل وغيرها يوحي الله إليهم بصوت يسمعونه: "الحق في
(١) في "ب": "عايان" وفي هامشها إشارة إلى نسخة أخرى: "عانان"، وهي كذلك في "إفحام اليهود" للسموأل، ص (١٩٥).