هداية الحيارى

وأما "القرّاؤون" فأكثرهم خرجوا إلى دين الإسلام، ونَفَعَهم تمسُّكُهم بالظواهر، وعدمُ تحريفها إلى أن لم يَبْق منهم إلا القليل؛ لأنهم أقرب استعدادًا لقبول الإسلام لأمرين:

(أحدهما) إساءةُ ظنِّهم بالفقهاء المفترين على الله وطعنهم عليهم.

(والثاني) تمسكهم بالظواهر، وعَدَمُ تحريفِها وإبطالِ معانيها.

وأما أولئك "الربَّانِيّون" فإنَّ فقهاءهم وحخاميمهم١ حصروهم في مثل سَمِّ الخِيَاط بما وضعوا لهم من (التشديدات والآصار و)٢ الأغلال المضافة إلى الآصار والأغلال التي شرعها الله عقوبةً لهم، وكان لهم في ذلك مقاصد:

(منها): أنهم قصدوا بذلك مبالغتهم في٣ مضادَّة مذاهب الأمم حتى لا يختلطوا بهم، فيؤدي اختلاطُهم بهم إلى موافقتِهِم والخروجِ من السبت واليهودية.

(والقصد الثاني): أنَ اليهود مُبَدَّدُون٤ في شرق الأرض وغربها وجنوبها وشمالها كما قال تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾ [الأعراف: ١٦٨].

وما من جماعة منهم في بلدة إلا إذا قَدِمَ عليهم رجلٌ من أهل دينهم

  1. (١) في "غ، ص": "خحاميمهم".
  2. (٢) ما بين القوسين ساقط من "غ، ص".
  3. (٣) ساقطة من "غ، ص".
  4. (٤) في "ب": "يشدِّدون"، وفي الحاشية إشارة إلى نسخة أخرى كما في المتن.
312

من بلاد بعيدة، يُظْهِرُ١ لهم الخشونةَ في دينه والمبالغةَ في الاحتياط، فإن كان من فقهائهم شرع في إنكار أشياء عليهم يوهِمُهم قلَّةَ دينِهِم وعِلْمِهم، وكلَّما شدَّد عليهم قالوا: هذا هو العالم. فأعلمُهم أعظمُهم تشديدًا عليهم، فتراه أول ما ينزل عليهم لا يأكل٢ من أطعمتهم وذبائحهم، ويتأمل سكين الذبَّاح، ويشرع في الإنكار عليه ببعض أمره، ويقول: لا آكل إلا من ذبيحة يدي، فتراهم معه في عذاب، ويقولون: هذا عالِمٌ غريب قَدِم علينا. فلا يزال ينكرُ عليهم الحلال ويشدِّدُ عليهم الآصار والأغلال ويفتحُ لهم أبواب المكر والاحتيال. وكلما فعل هذا قالوا: هذا هو العالم الربَّاني والحخيم الفاضل.

فإذا رآه رئيسهم قد مشى حاله، وقُبِل بينهم مقالُه وَزَنَ نفسه معه، فإذا رأى أنه ازدرى به وطعن عليه: لم يقبل منه، فإنَّ الناس في الغالب يميلون مع الغريب، وينسبه أصحابه إلى الجهل وقلة الدين، ولا يصدقونه لأنهم يرون القادم قد شدَّد عليهم وضيَّق، وكلَّما كان الرجل أعظم تضييقًا وتشديدًا كان أفْقَه٣ عندهم، فينصرف عن هذا الرأي فيأخذ في مدحه وشكره، فيقول: لقد عظَّم الله ثواب فلان؛ إذْ قوَّى ناموس الدين في قلوب هذه الجماعة وشيَّد أساسه وأحكم سياج الشرع. فيبلغ القادِمَ قولُه فيقول: ما عندكم أفقه منه، ولا أعلم بالتوراة، وإذا لقيه يقول: لقد زيَّن الله بك أهل بلدنا، ونعش بك هذه الطائفة!!

وإن كان القادم عليهم حَبْرًا من أحبارهم؛ فهناك ترى العجب

  1. (١) في "ب": "وظهر".
  2. (٢) في "ب": زيادة "ولا يشرب" في الحاشية.
  3. (٣) في "غ، ص": "أفقد".
313

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي