هداية الحيارى

الحقيقة، ووالدتُه في الحقيقة، لا أمَّ لابنِ الله إلا هي، ولا والدة له غيرها، ولا أب لابنها إلا الله، ولا ولد له سواه، وإن الله اختارها لنفسه ولولادة١ ولده وابنه من بين سائر النساء، ولو كانت كسائر النساء لما ولدت إلا عن وطء الرجال لها، ولكن اختصَّتْ عن النساء بأنها حبلت بابن الله، وولدت ابنه الذي لا ابن له في الحقيقة غيره، ولا والد له سواه، وأنها على العرش جالسة عن يسار الربِّ ﵎ والدِ ابْنِهَا، وابْنُها عن يمينه.

والنَّصارى يَدْعُونَها ويسألونَها سَعَةَ الرِّزق، وصحةَ البدن، وطولَ العُمُر، ومغفرةَ الذنوب، وأن تكون لهم عند ابِنها ووالدِه -الذي يعتقد عامتهم أنه زوجها، ولا ينكرون ذلك عليهم- سورًا وسَنَدًا وذُخْرًا وشفيعًا وركنًا، ويقولون في دعائهم: يا والدة الإله اشفعي لنا! وهم يعظِّمونها ويرفعونها على الملائكة وعلى جميع النبيِّيْن والمرسلين. ويسألونها ما يُسْأل الإله من العافية والرزق والمغفرة!!

حتى إن "اليَعْقُوبِيَّة"٢ يقولون في مناجاتهم لها: يا مريم يا والدة الإله، كوني لنا سورًا وسندًا وذخرًا وركنًا!!

"والنَّسْطُوريَّة"٣ يقولون: يا والدة المسيح كوني لنا كذلك! ويقولون لليعقوبيَّة: لا تقولوا يا والدة الإله، وقولوا: يا والدة المسيح،

  1. (١) في "غ، ص": "وأولاده".
  2. (٢) فرقة من النصارى منسوبة إلى أحد دعاتها وهو يعقوب البرادعي. انظر: "الملل والنحل" للشهرستاني، ص (٢٤١ - ٢٤٣).
  3. (٣) أتباع نسطور الحكيم من النصارى، وهو الذي تصرَّف بالأناجل بحكم رأيه، انظر: "الملل والنحل" ص (٢٣٩ - ٢٤١).
321

فقالت لهم اليعقوبية: المسيح عندنا وعندكم إلهٌ في الحقيقة، فأيُّ فَرْقٍ بيننا وبينكم في ذلك؟ ولكنكم أردتم مصالحة المسلمين ومقاربتهم١ في التوحيد.

هذا؛ والأوقاح الأرجاس من هذه الأمة تعتقد أنَّ الله -سبحانه- اختار مريم لنفسه ولولده، وتخطَّاها كما يتخطَّى الرجلُ المرأة.

قال النَّظَّامُ٢ -بعد أن حكى ذلك عنهم٣ -: وهم يُفْصِحون بهذا عند من يثقون به.

وقد قال ابن الإخشيد٤ هذا عنهم في "المعونة"، وقال: إليه يشيرون، ألا ترون أنهم يقولون: مَنْ لم يكِن والدًا يكون عقيمًا، والعُقْم آفَةٌ وعَيْبٌ. وهذا قول جميعهم وإلى المُبَاضعَةِ يشيرون.

ومَنْ خَالَطَ القوم وطاولهم وبَاطَنَهم عرف ذلك منهم، فهذا كفرهم وشركهم بربِّ العالمين ومَسَبَّتُهم له.

ولهذا قال فيهم٥ أحد الخلفاء الراشدين: أهِيْنُوهم ولا تَظْلِموهم، فلقد سبُّوا الله مسبَّةً ما سبَّه إياها أحدٌ من البشر٦.

  1. (١) في "غ، ج، ب": "مقارنتهم".
  2. (٢) إبراهيم بن سيار بن هانئ من أئمة المعتزلة.
  3. (٣) ساقطة من "غ، ص".
  4. (٤) أبو بكر أحمد بن علي من المعتزلة أيضًا، توفي سنة (٣٢٦). وكتابه "المعونة" ذكره ابن النديم في "الفهرست" أثناء ترجمته له.
  5. (٥) ساقطة من "د".
  6. (٦) لم أجده في شيء من كتب الآثار، وأخرج نحوه الطبراني في "مسند الشاميين": (٢/ ١٢٧). وقال القرافي في "الفروق" في الفرق (١١٩): ويروى =
322

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي