هداية الحيارى

وقالوا١: وهو الذي ولد ورَضِع وفُطِم، وأُخذ وصُلب وصفع، وكُتِّفت يداه، وسُمِرَ، وبُصِق في وجهه، ومات ودُفِن، وذاق أَلَمَ الصَّلْب والتَّسمير والقتل، لأجل خلاص النصارى من خطاياهم.

قالوا: وليس المسيح عند طوائفنا الثلاثة بنبيٍّ ولا عَبْدٍ صالح، بل هو ربُّ الأنبياء وخالقُهم، وباعثُهم، ومُرْسِلُهم، وناصرُهم، ومؤيِّدهم، وربُّ الملائكة.

قالوا: وليس مع أمه بمعنى الخلق والتدبير واللطف٢ والمعونة، فإنه لا يكون لها بذلك مزية على سائر الإناث ولا الحيوانات. ولكنه معها بحَبَلِها به واحتواءِ بطنها عليه، فلهذا فارَقَتْ (إنَاث جميع الحيوانات)٣ وفارق ابنُها جميع الخلق٤، فصار الله وابنه الذي نزل من السماء وحبلت به مريم وولدته: إلهًا واحدًا، ومسيحًا واحدًا، وربًّا واحدًا وخالقًا واحدًا، لا يقع بينهما فرق، ولا يبطل الاتحاد بينهما بوجه من الوجوه، لا في حَبَلِ ولا في ولادةٍ، ولا في حالِ نومٍ ولا مرضٍ، ولا صَلْبٍ ولا موتٍ، ولا دَفنٍ، بل هو متَّحدٌ به في حال الحبل، فهو في تلك الحالَ مسيحٌ واحد، وخالقٌ واحد، وإله واحدٌ وربٌّ واحد، وفي حال الولادة كذلك، وفي حال الصلب والموت كذلك.

قالوا: فمنا مَنْ يُطْلِق في لفظه وعبارته٥ حقيقةَ هذا المعنى فيقول:

  1. (١) في "ب، ج": "فقالوا".
  2. (٢) من "د" فقط.
  3. (٣) في "غ، ص": "جميع إناث الحيوان".
  4. (٤) في "غ": "الحق".
  5. (٥) في "غ، ص، ب": "عبادته".
332

مريم حبلت بالإله، (وولدت الإله)١، ومات الإله. ومنا من يمتنع من هذه العبارة لبشاعة لفظها ويعطي معناها وحقيقتها، ويقول: مريم حبلت بالمسيح في الحقيقة، وولدت المسيح في الحقيقة، وهي٢ أمُّ المسيح في الحقيقة، والمسيح إلهٌ في الحقيقة، وربٌّ في الحقيقة، وابنُ اللهِ في الحقيقة، وكلمةُ اللهِ في الحقيقة، لا ابنَ للهِ في الحقيقة سِواهُ، ولا أب للمسيح في الحقيقة إلا هو.

قالوا: فهؤلاء٣ يوافقون في المعنى قَوْلَ مَنْ قال: حبلت بالإله، وولدت الإله، وقتل الإله، وصلب ومات ودفن، وإن منعوا اللفظ والعبارة.

قالوا: وإنما مَنَعْنَا هذه العبارة٤ التي أطْلَقَها إخوانُنا، لئلا يتوهم علينا، إذا قلنا: حبلت بالإله، وولدت الإله، وألم الإله (ومات الإله)٥ = أنَّ هذا كله حل ونزل بالإله الذي هو أب، ولكنا نقول: حلَّ هذا كله ونزل بالمسيح، والمسيح عندنا وعند طوائفنا إلهٌ تام مِنْ إلهٍ تام من جوهر٦ أبيه، فنحن وإخوانُنا في الحقيقة شيءٌ واحد لا فرق بيننا إلا في العبارة فقط.

قالوا: فهذا حقيقة ديننا وإيماننا، والآباءُ والقدوةُ قد

  1. (١) ساقط من "غ، ص".
  2. (٢) ساقط من "ج".
  3. (٣) في "ج": "فيها ولاي".
  4. (٤) في "غ، ج": "العبادة".
  5. (٥) ساقط من "غ، ص".
  6. (٦) في "غ، ص": "جواهر".
333

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي