هداية الحيارى

-كما أخبر الله عنهم- يَتَّبِعون١ المتشابه ويردُّون المُحْكَمَ.

وفي الإنجيل أيضا أنه قال لليهود وقد قالوا له: نحن أبناء الله، فقال: "لو كان الله أباكم لأَطَعْتُمُوني لأني رسولٌ منه خرجت مقبلًا ولم أقبل من ذاتي ولكن هو بعثني، لكنكم لا تقبلون وصيتي وتعجزون عن سماع كلامي، إنما أنتم أبناء الشيطان٢ وتريدون إتمامَ٣ شهواتِه"٤.

وفي الإنجيل أن اليهود أحاطت به وقالت له: إلى متى تُخْفِي أمرك؟ إن كُنْتَ المسيح الذي ننتظره فأَعْلِمْنَا بذلك٥ ولم تقل: إنْ كُنْتَ الله أو ابنَ الله، فإنّه لم يدَّع٦ ذلك، ولا فَهِمَه عنه أحدٌ من أعدائِه ولا أتباعِه.

وفي الإنجيل أيضا: إنَّ اليهود أرادوا القبض عليه فبعثوا لذلك الأعوان٧، وأن الأعوان رجعوا إلى قوادهم، فقالوا لهم: لِمَ لَمْ تأخذوه؟ فقالوا: ما سمعنا آدميًّا أنصف منه، فقالت اليهود: وأنتم أيضًا مخدوعون، أترون أنه آمَنَ به أحدٌ من القوَّاد أو من رؤساء أهل الكتاب؟ فقال لهم بعض أكابرهم: أَتَرَوْنَ كتابَكم يحكمُ على أحدٍ قبل أن يسمع منه؟ فقالوا له: اكشف الكتب ترى أنه لا يجيء من جلجال نبيٌّ٨ فما

  1. (١) في "ج": "يبتغون".
  2. (٢) في "ب، ج": "الشياطين".
  3. (٣) في "ج": "آثام".
  4. (٤) إنجيل يوحنا: (٨/ ٤١ - ٤٧).
  5. (٥) إنجيل يوحنا: (١٠/ ٢٣).
  6. (٦) في "ج": "يدعى".
  7. (٧) في "ج": "أعوانًا".
  8. (٨) إنجيل يوحنا: (٧/ ٤٥ - ٤٧).
340

قالت اليهود ذلك إلا وقد أنزل نفسه بالمنزلة التي أنزله بها ربُّه ومالكه أنه نبيٌّ، ولو علمت من دعواه الإلهية لذكرتْ ذلك له، وأنْكَرَتْهُ١ عليه، وكان أعظم أسباب التنفير٢ عن طاعته، لأنَّ كذبه كان يُعْلم بالحسِّ والعقل والفطرة واتفاق الأنبياء.

ولقد كان يجب لله سبحانه -لو سبق في حكمته أنه يبرز لعباده، وينزل عن كرسي عظمته، ويباشرهم بنفسه- أن (لا يَدْخُل في فرج)٣ امرأة، ويقيمَ في بطنها بين البولِ والنَّجْو والدمِ عِدَّةَ أشهر. وإذْ قد فعل ذلك (لا يخرج صبيًّا صغيرًا، يرضع ويبكي، وإذْ قد فعل ذلك)٤، لا يأكل مع الناس ويشرب معهم وينام. وإذْ قد فعل ذلك فلا يبول ولا يتغوَّط ويمتنع من الخرأة إذْ هي مَنْقَصَة ابْتُلِيَ بها الإنسانُ في هذه الدار لنقصه وحاجته.

وهو -تعالى- المختصُّ بصفات الكمال، المنعوتُ بنعوت الجلال الذي ما وسعته سمواته ولا أرضه، وكرسيُّه وسع السموات والأرض، فكيف وسعه فرج٥ امرأة. تعالى الله رب العالمين!! وكلُّكم متفقون على أن المسيح كان يأكل ويشرب ويبول ويتغوَّط وينام.

فيا مَعْشَرَ المثلِّثة وعُبَّاد الصليب! أخْبِرُونا مَنْ كان الممسك للسموات والأرض حين كان ربُّها وخالقها مربوطًا على خشبة

  1. (١) في "ج": "وأنكرت".
  2. (٢) في "ج": "التعبير"، وفي "غ، ص": "النقير".
  3. (٣) في "ج": "يدخل في بطن".
  4. (٤) ما بين القوسين ساقط من "ص، غ".
  5. (٥) في "ج": "بطن".
341

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي