قالت اليهود ذلك إلا وقد أنزل نفسه بالمنزلة التي أنزله بها ربُّه ومالكه أنه نبيٌّ، ولو علمت من دعواه الإلهية لذكرتْ ذلك له، وأنْكَرَتْهُ١ عليه، وكان أعظم أسباب التنفير٢ عن طاعته، لأنَّ كذبه كان يُعْلم بالحسِّ والعقل والفطرة واتفاق الأنبياء.
ولقد كان يجب لله سبحانه -لو سبق في حكمته أنه يبرز لعباده، وينزل عن كرسي عظمته، ويباشرهم بنفسه- أن (لا يَدْخُل في فرج)٣ امرأة، ويقيمَ في بطنها بين البولِ والنَّجْو والدمِ عِدَّةَ أشهر. وإذْ قد فعل ذلك (لا يخرج صبيًّا صغيرًا، يرضع ويبكي، وإذْ قد فعل ذلك)٤، لا يأكل مع الناس ويشرب معهم وينام. وإذْ قد فعل ذلك فلا يبول ولا يتغوَّط ويمتنع من الخرأة إذْ هي مَنْقَصَة ابْتُلِيَ بها الإنسانُ في هذه الدار لنقصه وحاجته.
وهو -تعالى- المختصُّ بصفات الكمال، المنعوتُ بنعوت الجلال الذي ما وسعته سمواته ولا أرضه، وكرسيُّه وسع السموات والأرض، فكيف وسعه فرج٥ امرأة. تعالى الله رب العالمين!! وكلُّكم متفقون على أن المسيح كان يأكل ويشرب ويبول ويتغوَّط وينام.
فيا مَعْشَرَ المثلِّثة وعُبَّاد الصليب! أخْبِرُونا مَنْ كان الممسك للسموات والأرض حين كان ربُّها وخالقها مربوطًا على خشبة
(١) في "ج": "وأنكرت".
(٢) في "ج": "التعبير"، وفي "غ، ص": "النقير".
(٣) في "ج": "يدخل في بطن".
(٤) ما بين القوسين ساقط من "ص، غ".
(٥) في "ج": "بطن".
الصليب١ وقد شدت يداه ورجلاه بالحبال، وسمرت اليد التي أتقنت العوالم، فهل بقيت السموات والأرض خلوًا من إلهها وفاطرها وقد جرى عليه هذا الأمر؟!.
أم تقولون: استخلفَ على تدبيرها غيرَه، وهبط عن عرشه لِرَبْطِ نفسه على خشبة الصَّليب، ولِيذوقَ حرَّ المسامير، ولِيوجِبَ اللعنة على نفسه حيث قال في التوراة: "ملعونٌ ملعونٌ من تعلَّق بالصليب"٢ أم تقولون: كان هو المدبِّر لهما في تلك الحال، فكيف وقد مات ودفن؟!.
أم تقولون -وهو حقيقة قولكم-: لا ندري، ولكن هذا في الكتب وقد قاله الآباء وهم القدوة، والجواب عليهم؟!.
فنقول (لكم: وإلا يا)٣ معاشر المثلِّثة عُبَّاد الصليب! ما الذي دلَّكم على إلهية المسيح؟ فإن كنتم استدللتم عليها بالقبض٤ من أعدائه عليه وسَوْقِه إلى خشبة الصليب وعلى رأسه تاج من الشوك، وهم يبصقون في وجهه ويصفعونه، ثم أركبوه ذلك٥ المركب الشنيع، وشَدُّوا يديه ورجليه بالحبال، وضربوا فيها المسامير، وهو يستغيث، ويقلق ثم فاضت نفسه وأودع ضريحه، فما أصحَّه٦ من استدلالٍ عند أمثالكم ممَّنْ هم أضل من الأنعام، وهم عار على جميع الأنام!!.