هداية الحيارى

وإن قلتم: إنما استدللنا على كونه إلهًا بأنه لم يولد من البشر، ولو كان مخلوقًا لكان مولودًا من البشر. فإن كان هذا الاستدلال صحيحًا فآدم إله المسيح، وهو أحقُّ بان يكون إلهًا منه، لأنه لا أمّ له ولا أب، والمسيح له أم، وحواء أيضًا اجعلوها إلهًا خامسًا لأنها لا أمّ لها، وهي أعجب من خَلْق المسيح؟!

والله سبحانه قد نوعَّ خلق آدم١ وبنيه إظهارًا لقدرته، وأنه يفعل ما يشاء، فخلق آدم لا مِنْ ذكَرٍ ولا من أنثى، وخلق زوجه حواء من ذكر لا من أنثى، وخلق عبده المسيح من أنثى لا من ذكر، وخلق سائر النوع٢ من ذكر وأنثى.

وإن قلتم: استدللنا على كونه إلهًا بأنه أحيا الموتى، ولا يحييهم إلا الله فاجعلوا موسى إلهًا آخر، فإنه أتى من ذلك بشيء لم يأتِ المسيحُ بنظيره ولا ما يقاربه، وهو جَعْلُ الخشبة حيوانًا٣ عظيمًا ثعبانًا٤، فهذا أبلغ وأعجب من إعادة الحياة إلى جسمٍ كانت فيه أولًا. فإن قلتم: هذا غير إحياء الموتى! فهذا اليسع النبيُّ أتى بإحياء الموتى، وهم٥ يُقِرُّون بذلك، وكذلك إيليا٦ النبيُّ أيضًا أحيا صبيًّا بإذن الله، وهذا موسى قد أحيا بإذن الله السبعين الذين ماتوا من قومه، وفي كتبكم من ذلك كثير عن

  1. (١) في "ج": "الشيخ".
  2. (٢) في "ج": "الأنواع".
  3. (٣) ساقط من "ج، ب".
  4. (٤) في "غ، ص": "بعبادنا".
  5. (٥) في "غ": "وهو وهم".
  6. (٦) في "ب، ج": "إلياس".
343

الأنبياء والحواريين: فهل صار أحد منهم إلهًا بذلك؟!!

وإن قلتم: جعلناه إلهًا للعجائب التي ظهرت على يديه؛ فعجائب موسى أعجب وأعجب، وهذا إيليا النبيُّ بارك على دقيقِ العجوز ودُهْنِها فلم يَنْفَدْ ما في جرابها من الدقيق وما في قارورتها من الدهن سَبْعَ سنين١!!.

وإن جعلتموه إلهًا لكونه أَطْعَمَ من الأرغفة اليسيرة آلافًا من الناس٢؛ فهذا موسى قد أطعم أمته أربعين سنةً من المَنِّ والسَّلْوى!! وهذا محمد بن عبد الله قد أطعم العَسْكَرَ كلَّه من زادٍ يسير جدًّا حتى شبعوا وملأوا أوعيتهم٣، وسقاهم كلَّهم من ماءٍ يسيرٍ لا يملأ اليد٤ حتى ملأوا كلَّ سقاء في العسكر، وهذا منقول عنه بالتواتر٥!!.

وإن قلتم: جعلناه إلهًا لأنه صاح بالبحر فسكنت أمواجه؛ فقد ضرب موسى البحر بعصاه فانفلق اثني عشر طريقًا، وقام الماء بين الطرق كالحيطان، وفجَّر من الحجر الصَّلْد اثني عشر عينًا سارحة!!.

وإن جعلتموه إلهًا لأنه أبرأ الأكْمَهَ والأبرصَ؛ فإحياءُ الموتى أعجب من ذلك، وآياتُ موسى ومحمدٍ -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-

  1. (١) انظر: "سفر الملوك الأول": (١٧/ ١١ - ١٦).
  2. (٢) انظر: إنجيل يوحنا: (٦/ ٩ - ١٠).
  3. (٣) أخرجه مسلم في الإيمان: (١/ ٥٧).
  4. (٤) في "ج": "يعم اليد" وفي "غ، ص": "يغير".
  5. (٥) أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة الحديبية: (٥/ ٢٦٠) (الطبعة المنيرية). وانظر: "نظم المتناثر من الحديث المتواتر" للكتاني، ص (٢١٢ - ٢١٣).
344

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي