هداية الحيارى

الأنبياء والحواريين: فهل صار أحد منهم إلهًا بذلك؟!!

وإن قلتم: جعلناه إلهًا للعجائب التي ظهرت على يديه؛ فعجائب موسى أعجب وأعجب، وهذا إيليا النبيُّ بارك على دقيقِ العجوز ودُهْنِها فلم يَنْفَدْ ما في جرابها من الدقيق وما في قارورتها من الدهن سَبْعَ سنين١!!.

وإن جعلتموه إلهًا لكونه أَطْعَمَ من الأرغفة اليسيرة آلافًا من الناس٢؛ فهذا موسى قد أطعم أمته أربعين سنةً من المَنِّ والسَّلْوى!! وهذا محمد بن عبد الله قد أطعم العَسْكَرَ كلَّه من زادٍ يسير جدًّا حتى شبعوا وملأوا أوعيتهم٣، وسقاهم كلَّهم من ماءٍ يسيرٍ لا يملأ اليد٤ حتى ملأوا كلَّ سقاء في العسكر، وهذا منقول عنه بالتواتر٥!!.

وإن قلتم: جعلناه إلهًا لأنه صاح بالبحر فسكنت أمواجه؛ فقد ضرب موسى البحر بعصاه فانفلق اثني عشر طريقًا، وقام الماء بين الطرق كالحيطان، وفجَّر من الحجر الصَّلْد اثني عشر عينًا سارحة!!.

وإن جعلتموه إلهًا لأنه أبرأ الأكْمَهَ والأبرصَ؛ فإحياءُ الموتى أعجب من ذلك، وآياتُ موسى ومحمدٍ -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-

  1. (١) انظر: "سفر الملوك الأول": (١٧/ ١١ - ١٦).
  2. (٢) انظر: إنجيل يوحنا: (٦/ ٩ - ١٠).
  3. (٣) أخرجه مسلم في الإيمان: (١/ ٥٧).
  4. (٤) في "ج": "يعم اليد" وفي "غ، ص": "يغير".
  5. (٥) أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة الحديبية: (٥/ ٢٦٠) (الطبعة المنيرية). وانظر: "نظم المتناثر من الحديث المتواتر" للكتاني، ص (٢١٢ - ٢١٣).
344

أعْجَبُ من ذلك!!.

وإن جعلتموه إلهًا لأنه ادَّعى ذلك؛ فلا يخلو: إما أن يكون الأمر كما تقولون عنه، أو يكون إنما ادَّعى العبوديةَ والافتقارَ وأنه مربوبٌ مصنوع مخلوق، فإن كان كما ادَّعيتم عليه فهو أخو المسيح الدجَّال، وليس بمؤمن ولا صادق، فضلًا عن أن يكون نبيًّا كريمًا، وجزاؤه جهنم وبئس المصير، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٢٩].

وكل من ادَّعى الإلهيَّة من دون الله فهو من أعظم أعداء الله كفرعون ونمرود وأمثالهما من أعداء الله، فأخرجتم١ المسيح عن كرامة الله ونبوَّته ورسالته، وجعلتموه من أعظمِ أعداءِ الله، ولهذا كنتم أشدَّ الناس عداوةً للمسيح في صورة مُحِبٍّ مُوالٍ!! ومن أعظم ما يُعْرَفُ به كذب المسيحِ الدجَّال أنَّه يدَّعي الإلهيَّة، فيبعث اللهُ عَبْدَهُ ورسولَه مسيحَ الهدى ابنَ مريم فيقتله، ويُظْهِر للخلائق أنه كان كاذبًا مفتريًا. ولو كان إلهًا لم يقتل، فضلًا عن أن يُصْلَب ويُسَمر ويُبْصَقَ في وجهه!!.

وإن كان المسيح إنما ادَّعى أنه عبدٌ ونبيٌّ ورسولٌ، كما شهدت به الأناجيل كلُّها ودلَّ عليه العَقْلُ والفِطْرَةُ وشهدتم أنتم له بالإلهيَّة -وهذا هو الواقع٢ - فلم تأتوا على إلهيَّتِهِ ببيِّنة غير تكذيبه في دعواه، وقد ذكرتم عنه في أناجيلكم في مواضعَ عديدةٍ ما يصرِّح بعبوديته وأنه مَرْبُوبٌ مخلوقٌ، وأنه ابنُ البَشَرِ، وأنّه لم يدَّعِ غير النبوة والرسالة، فكذَّبْتُمُوه في

  1. (١) في "غ": "فأخرتم".
  2. (٢) في "ب، ج": "قول الواقع".
345

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي