هداية الحيارى

وإن جعلتموه إلهًا لأنَّ تلاميذه ادَّعَوا ذلك له، وهم أعْلَمُ الناس به، كذبْتُم١ أناجيلَكم التي بأيديكم، فكلُّها صريحةٌ -أظهر صراحةٍ- بأنهم ما ادَّعَوا له إلا ما ادَّعاه لنفسه من أنه عَبْدٌ.

فهذا "متى" يقول في الفصل التاسع من إنجيله محتجًّا بنبوة إشَعْيَا في المسيح عن الله ﷿: "هذا عبدي الذي اصطفيتُه، وحبيبي الذي ارتاحت نفسي له"٢، وفي الفصل الثامن من إنجيله: "إني أشكرك يا رب"، "ويا رب السموات والأرض"٣.

وهذا "لوقا" يقول في آخر إنجيله: "إنَّ المسيحَ عَرَضَ له ولآخرَ من تلاميذه في الطريق ملكٌ وهما محزونان. فقال لهما وهما لا يعرفانه: ما بالكما محزونَيْن؟ فقالا٤: كأنك غريبٌ في بيت المقدس، إذْ كنت لا تعلم ما حدث فيها في هذه الأيام من أمر يسوع النَّاصريِّ؛ فإنه كان رجلًا نبيًّا قويَّا تقيًّا في قوله وفعله، عند اللهِ وعند الأمةِ٥، أخذوه وقتلوه"٦، وهذا كثير جدًّا في الإنجيل!.

وإن قلتم: إنما جعلناه إلهًا لأنه صَعِدَ إلى السماء، فهذا أخنوخ٧

  1. (١) في "ب، ج": "كذبتكم".
  2. (٢) إنجيل متى: (١٢/ ١٨).
  3. (٣) إنجيل متى: (٨/ ٢٥).
  4. (٤) في "ب، ج": "فقال".
  5. (٥) في "ج": "أمته".
  6. (٦) إنجيل لوقا، (٢٤/ ١٥ - ٢١).
  7. (٧) إدريس ﵇.
347

وإلياس قد صَعِدَا١ إلى السماء وهما حيَّان مكرمان لم تَشُكْهُما٢ شوكةٌ، ولا طمع فيهما طامع. والمسلمون مجمعون على أنَّ محمدًا ﷺ صَعِدَ إلى السماء وهو عبد محض، وهذه الملائكة تَصْعَد إلى السماء، وهذه أرواح المؤمنين تصعد إلى السماء بعد مفارقتها الأبدان، ولا تخرج٣ بذلك عن العبوديَّة، وهل كان الصُّعُود إلى السماء مخرجًا عن العبودية بوجه من الوجوه؟!!.

وإن جعلتموه إلهًا لأن الأنبياء سَمَّتْه إلهًا وربًّا وسيِّدًا ونحو ذلك. فلم يزل كثيرٌ من أسماء الله ﷿ تقع على غيره عند جميع الأممِ وفي سائر الكتب، وما زالت الرومُ والفُرْس والهندُ والسُّرْيَانِيُّون والعِبْرَانِيُّون والقِبْطُ وغيرهم يُسمُّون٤ ملوكهم آلهةً وأربابًا. وفي السفر الأول من التوراة: "أن بني الله دخلوا على بنات الناس ورأوهنَّ بارعاتِ الجمال فتزوجوا منهنَّ"٥، وفي السفر الثاني من التوراة في قصة المخرج من مصر: "إني جعلتك إلهًا لفرعون"٦، وفي المزمور الثاني والثمانين لداود: "قام الله لجميع الآلهة"٧. هكذا في العبرانية، وأما من نقله إلى السُّريانيَّة فإنه حرَّفه فقال: "قام الله في جماعة الملائكة" وقال في هذا المزمور وهو يخاطب قومًا بالروح: "لقد ظننت أنكم آلهة

  1. (١) في "ج": "صعدوا".
  2. (٢) في "غ": "يشكهما".
  3. (٣) في "ب": "يخرج".
  4. (٤) ساقط من "ج"، وفي "غ": "يسمو".
  5. (٥) سفر التكوين: (٦/ ١ - ٢).
  6. (٦) سفر الخروج: (٧/ ١).
  7. (٧) انظر: المزامير، المزمور (٨٢).
348

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي