هداية الحيارى

وإلياس قد صَعِدَا١ إلى السماء وهما حيَّان مكرمان لم تَشُكْهُما٢ شوكةٌ، ولا طمع فيهما طامع. والمسلمون مجمعون على أنَّ محمدًا ﷺ صَعِدَ إلى السماء وهو عبد محض، وهذه الملائكة تَصْعَد إلى السماء، وهذه أرواح المؤمنين تصعد إلى السماء بعد مفارقتها الأبدان، ولا تخرج٣ بذلك عن العبوديَّة، وهل كان الصُّعُود إلى السماء مخرجًا عن العبودية بوجه من الوجوه؟!!.

وإن جعلتموه إلهًا لأن الأنبياء سَمَّتْه إلهًا وربًّا وسيِّدًا ونحو ذلك. فلم يزل كثيرٌ من أسماء الله ﷿ تقع على غيره عند جميع الأممِ وفي سائر الكتب، وما زالت الرومُ والفُرْس والهندُ والسُّرْيَانِيُّون والعِبْرَانِيُّون والقِبْطُ وغيرهم يُسمُّون٤ ملوكهم آلهةً وأربابًا. وفي السفر الأول من التوراة: "أن بني الله دخلوا على بنات الناس ورأوهنَّ بارعاتِ الجمال فتزوجوا منهنَّ"٥، وفي السفر الثاني من التوراة في قصة المخرج من مصر: "إني جعلتك إلهًا لفرعون"٦، وفي المزمور الثاني والثمانين لداود: "قام الله لجميع الآلهة"٧. هكذا في العبرانية، وأما من نقله إلى السُّريانيَّة فإنه حرَّفه فقال: "قام الله في جماعة الملائكة" وقال في هذا المزمور وهو يخاطب قومًا بالروح: "لقد ظننت أنكم آلهة

  1. (١) في "ج": "صعدوا".
  2. (٢) في "غ": "يشكهما".
  3. (٣) في "ب": "يخرج".
  4. (٤) ساقط من "ج"، وفي "غ": "يسمو".
  5. (٥) سفر التكوين: (٦/ ١ - ٢).
  6. (٦) سفر الخروج: (٧/ ١).
  7. (٧) انظر: المزامير، المزمور (٨٢).
348

وأنكم أبناء الله كلكم"١.

وقد سمَّى الله -سبحانه- عبده بالمَلِك، كما سمَّى نفسه بذلك، وسماه بالرؤوف الرحيم كما سمَّى نفسه بذلك، وسمَّاه بالعزيز وسمى نفسه بذلك٢. واسمُ الربِّ واقعٌ على غير الله تعالى في لغة أمة التوحيد، كما يقال: هذا ربُّ المنزل، ورب الإبل، وربُّ هذا المتاع. وقد قال إشَعْيَا: "عرف الثَّورُ مَنِ اقتناه، والحمار مربط ربِّه، ولم٣ يعرف بنو إسرائيل"٤.

وإن جعلتموه إلهًا لأنه صنع من الطين (كهيئة الطير)٥، أي صورةَ طائرِ، ثم٦ نفخ فيها فصارت لحمًا ودمًا وطائرًا حقيقةً، ولا يفعل هذا إلا الله.

قيل: فاجعلوا موسى بن عمران إلهَ الآلهةِ؛ فإنه ألقى عصًا فصارت ثعبانًا عظيمًا، ثم أمسكها بيده فصارت عصًا كما كانت.

فصل

وإن قلتم: جعلناه إلهًا لشهادة الأنبياء والرسل له بذلك، قال عزرا -حيث سباهم بختنصر إلى أرض بابل إلى أربعمائة واثنين وثمانين

  1. (١) المزامير، (٨٢).
  2. (٢) في "غ، ص": "كذلك".
  3. (٣) في "ب، ج": "ولو لم".
  4. (٤) سفر إشعياء: (١/ ١).
  5. (٥) ما بين القوسين ساقط من "ب، ج، ص".
  6. (٦) في "ج": "لما".
349

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي