وقد سمَّى الله -سبحانه- عبده بالمَلِك، كما سمَّى نفسه بذلك، وسماه بالرؤوف الرحيم كما سمَّى نفسه بذلك، وسمَّاه بالعزيز وسمى نفسه بذلك٢. واسمُ الربِّ واقعٌ على غير الله تعالى في لغة أمة التوحيد، كما يقال: هذا ربُّ المنزل، ورب الإبل، وربُّ هذا المتاع. وقد قال إشَعْيَا: "عرف الثَّورُ مَنِ اقتناه، والحمار مربط ربِّه، ولم٣ يعرف بنو إسرائيل"٤.
وإن جعلتموه إلهًا لأنه صنع من الطين (كهيئة الطير)٥، أي صورةَ طائرِ، ثم٦ نفخ فيها فصارت لحمًا ودمًا وطائرًا حقيقةً، ولا يفعل هذا إلا الله.
قيل: فاجعلوا موسى بن عمران إلهَ الآلهةِ؛ فإنه ألقى عصًا فصارت ثعبانًا عظيمًا، ثم أمسكها بيده فصارت عصًا كما كانت.
فصل
وإن قلتم: جعلناه إلهًا لشهادة الأنبياء والرسل له بذلك، قال عزرا -حيث سباهم بختنصر إلى أرض بابل إلى أربعمائة واثنين وثمانين
(١) المزامير، (٨٢).
(٢) في "غ، ص": "كذلك".
(٣) في "ب، ج": "ولو لم".
(٤) سفر إشعياء: (١/ ١).
(٥) ما بين القوسين ساقط من "ب، ج، ص".
(٦) في "ج": "لما".
سنة-: "يأتي المسيح ويخلِّص الشعوب والأمم"١ وعند انتهاء هذه المدة أتى المسيح، ومن يطيق تخليص الأمم والشعوب٢ غير الإله التام؟!
قيل لكم: فاجعلوا جميع الرسل آلهةً، فإنهم خلَّصوا الأمم من الكفر والشِّرْك، وخلَّصوهم من النار بإذن الله وحده٣.
ولا شكَّ أن المسيح خلَّص مَنْ آمن به واتَّبَعَه من ذُلِّ الدنيا وعذاب الآخرة، كما خلَّص موسى بني إسرائيل من فرعونَ وقومه، وخلَّصهم بالإيمان بالله واليوم الآخر، من عذاب الآخرة، وخلَّص اللهُ سبحانه بمحمدِ بن عبد الله ﷺ -عبدِه ورسوله- من الأمم والشعوب ما لم يخلِّصه نبيٌّ سواه. فإنْ وجبت بذلك الإلهيَّة لعيسى فموسى ومحمد٤ أحقُّ بها منه!!
وإن قلتم: أَوْجَبْنَا له بذلك الإلهيَّة لقول إِرْمِيَاء النبيِّ عن ولادته: "وفي ذلك الزمانِ يقومُ لداودَ ابنٌ، وهو ضوء النُّور، يملك الملك، ويقيمُ الحقَّ والعدل في الأرض، ويخلِّص مَنْ آمن به من اليهود ومن بني إسرائيل ومن غيرهم، ويبقى بيتُ المَقْدِس (من غير مقاتل)٥، ويسمى الإله"٦.