وفي التوراة أيضًا: "يقول الله لموسى: إني آتٍ إليك في غلظ الغمام لكي يسمع القوم مخاطبتي لك"١.
وفي الكتب الإلهية وكلام الأنبياء (من هذا كثير)٢.
وفيما حكى خاتم الأنبياء عن ربِّه ﵎ أنه قال: "ولا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقرَّبُ إليَّ بالنَّوافِلِ حتى أُحِبَّه، فإذا أحْبَبْتُهُ وكنتُ سَمْعَهُ الذي يَسْمَعُ به، وبَصَرَهُ الذي يُبْصِرُ بهِ، ويَدَهُ التي يَبْطِشُ بها، ورجْلَه التي يمشي بها، فبي يَسْمَعُ، وبي يُبْصِر٣، وبي يَبْطِشُ، وبي يَمْشِي"٤.
وإن قلتم: جعلناه إلهًا لقول زكريا في نبوته: "افرحي يا بنت صِهْيَوْن لأني آتيك وأحلُّ فيك وأتراءَى، وتؤمن بالله في ذلك اليوم الأمم الكثيرة، ويكونون له شعبًا٥ واحدًا، ويحل هو فيهم، ويعرفون٦ أني أنا الله القويُّ الساكن فيك، ويأخذ الله في ذلك اليوم المُلْكَ من يهودا ويملك عليهم إلى الأبد"٧.
قيل لكم: إن وجبت٨ له الإلهية بهذا فَلْتَجِبْ٩ لإبراهيم وغيره
(١) سفر الخروج: (١٩/ ٩).
(٢) في "ج": "في كثير من هذا".
(٣) "وبي يبصر" ليست في "ص، غ"، وليست في البخاري.
(٤) أخرجه البخاري في الرقاق، باب التواضع: (١١/ ٣٤٠ - ٣٤١).
(٥) في "ج": "شيعًا".
(٦) في "غ، ص": "يعرفني".
(٧) العهد القديم، زكريا: (٢/ ١٠ - ١٣).
(٨) في "غ": "أوجبتم".
(٩) في "ب، ج": "فليجب".
من الأنبياء، فإن عند أهل الكتاب -وأنتم معهم- أنَّ الله تجلَّى لإبراهيم واسْتَعْلَنَ له وتراءى له.
وأما قوله: "وأحل فيك" لم يرد سبحانه بهذا حلول ذاته -التي لا١ تَسَعُهَا السمواتُ والأرض- في بيت المقدس، وكيف تحلُّ ذاته في مكانٍ يكون فيه مقهورًا مغلوبًا مع شرار الخلق؟! كيف٢ وقد قال: "ويعرفون أني أنا الله القوي الساكن فيك"؟!.
أفَتَرَى عَرَفُوا٣ قوّتَه بالقبض عليه، وشدِّ يديه بالحبال، ورَبْطِهِ على خشبة الصليب، ودقِّ المسامير في يديه ورِجْلَيه، ووضع تاج الشوك على رأسه وهو يستغيثُ ولا يُغَاث؟! وما كان المسيح يدخل بيت المقدس إلا وهو مغلوب مقهورٌ مُسْتَخْفٍ في غالب أحواله، ولو صحَّ مجيء هذه الألفاظ صحةً لا تُدْفَع، وصحَّتْ ترجمتها كما ذكروه لكان معناها: أنَّ معرفة الله والإيمان به وذكره ودينه وشرعه حل في تلك٤ البقعة. وبيت المقدس لما ظهر فيه دين المسيح بعد رفعه حصل فيه من الإيمان بالله ومعرفته ما لم يكن قبل ذلك.
وجماع الأمر: أنَّ النبوات المتقدمة والكتبَ الإلهيَّةَ لم تنطق بحرفٍ واحد يقتضي أنْ يكون ابنُ البشر إلهًا تامًا؛ إلهٌ حقٌّ من إلهٍ حقٍّ، وأنه غير مصنوعِ ولا مربوبٍ٥، بل لم يخصَّه إلا بما خُصَّ