فأولياء الله يعرفونه ويحبونه، ويُجلُّونه، ويقال: هو في قلوبهم، والمراد: مَحَبَّتُه ومعرفته، والمَثَلُ الأعَلى في قلوبهم، لا نَفْسُ ذاته، وهذا أمرٌ يعتاده الناس في مخاطباتهم ومحاوراتهم، يقول الإنسان لغيره: أنت في قلبي، ولا زلتَ في عيني، كما قال القائل:
وتَطْلُبُهُمْ عَيْنِي وهُمْ في سَوَادِهَا١وَيَشْتَاقُهُمْ قَلْبِي وَهُمْ بَيْنَ أَضْلُعِي٢
وقال آخر في المعنى٣:
خيالُكَ في عَيْنِي وذِكْرُكَ في فَمِيوَمَثْواكَ في قَلْبِي٤ فَأَيْنَ تَغِيْبُ٥
وقال آخر٦:
ساكن في القلب يعمرهلست أنساه فأذكره
وقال آخر:
(١) في "ب، غ": "سوائها".
(٢) نسبهما ابن الأبَّار لمهيار الديلمي بتغيير في البيت الثاني، ونسبهما بعضهم للقاضي الفاضل. وانظر: "المدهش" لابن الجوزي: (٢/ ٦٢٩).
(٣) "في المعنى" من "ج" فقط. وفي "غ، ص": "وقال الآخر".
(٤) في "د": "عيني".
(٥) البيت لأبي الحكم ابن غلندو الإشبيلي، ذكره ياقوت في "معجم الأدباء": (٣/ ١١٩٤).
(٦) البيت في "المدهش" (٢/ ٥١٤).
إن قلت١: غبت فقلبي لا يصدقنيإذ أنت فيه -فدتك النفس- لم تغب
أو قلت: ما غبت قال الطرف: ذا كذبفقد تحيرت بين الصدق والكذب
وقال الآخر:
أحن إليه وهو٢ في القلب ساكنفيا عجبًا ممن٣ يحن لقلبه
ومَنْ غَلُظَ طَبْعُه وكثف٤ فهمه عن فهم مثل هذا لم يكثر عليه أن يفهم من ألفاظ الكتب أن ذات الله سبحانه تحل في الصورة البشرية وتتحد بها وتمتزج بها، تعالى الله عما يقول الكافرون علوًّا كبيرًا.
فصل
وإن قلتم: أوجبنا٥ له الإلهيَّة من قول إشَعْيَا: "مِنْ أعجبِ الأعاجيب أن ربَّ الملائكة سيولد من البشر"٦.
قيل لكم: هذا مع أنه يحتاج إلى صحة هذا الكلام عن إشَعْيَا، وأنه لم يحرف بالنقل من ترجمة إلى ترجمة، وأنه كلام منقطع عما قبله وبعده ببينة = فهو دليل على أنه مخلوق مصنوع، وأنه٧ ابن البشر مولود منه، لا من الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد؟!