إن قلت١: غبت فقلبي لا يصدقنيإذ أنت فيه -فدتك النفس- لم تغب
أو قلت: ما غبت قال الطرف: ذا كذبفقد تحيرت بين الصدق والكذب
وقال الآخر:
أحن إليه وهو٢ في القلب ساكنفيا عجبًا ممن٣ يحن لقلبه
ومَنْ غَلُظَ طَبْعُه وكثف٤ فهمه عن فهم مثل هذا لم يكثر عليه أن يفهم من ألفاظ الكتب أن ذات الله سبحانه تحل في الصورة البشرية وتتحد بها وتمتزج بها، تعالى الله عما يقول الكافرون علوًّا كبيرًا.
فصل
وإن قلتم: أوجبنا٥ له الإلهيَّة من قول إشَعْيَا: "مِنْ أعجبِ الأعاجيب أن ربَّ الملائكة سيولد من البشر"٦.
قيل لكم: هذا مع أنه يحتاج إلى صحة هذا الكلام عن إشَعْيَا، وأنه لم يحرف بالنقل من ترجمة إلى ترجمة، وأنه كلام منقطع عما قبله وبعده ببينة = فهو دليل على أنه مخلوق مصنوع، وأنه٧ ابن البشر مولود منه، لا من الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد؟!
(١) في "غ": "قلتم".
(٢) ساقطة من "غ".
(٣) في "ب، ج": "لمن".
(٤) في "د": "كشف".
(٥) في "غ، ص": "أوحينا".
(٦) انظر: إشعياء: (٧/ ١٤).
(٧) في "ب": "فإنه".
فصل
وإن قلتم: جعلناه إلهًا من قول مَتَّى في إنجيله: "إنَّ ابن الإنسان يُرْسِلُ ملائكته ويَجْمَعُونَ كلَّ الملوك فيلقونهم في أتُّون النار"١.
قيل: هذا كالذي قبله سواء، ولم يُرِد أنَّ المسيح هو ربُّ الأرباب، ولا أنه خالق الملائكة، (وحاشى لله أن يطلق عليه أنه ربُّ الملائكة، بل)٢ هذا من أقبح الكذب والافتراء؛ بل ربُّ الملائكةِ أوصى الملائكةَ بحفظ المسيح وتأييده٣ ونصره بشهادة لوقا النبيِّ القائل عندهم: "إنَّ الله يوصي٤ ملائكته بك ليحفظوك"٥، ثم بشهادة لوقا: "إنَّ الله أرسل له ملكًا من السماء ليُقَوِّيَه"٦.
هذا الذي نطقت به الكتب، فحرَّف٧ الكذَّابون على الله وعلى مسيحه ذلك، ونسبوا إلى الأنبياء أنهم قالوا: هو رب الملائكة. وإذا شهد الإنجيل واتفاق الأنبياء والرسل أنَّ الله يوصي ملائكته بالمسيح ليحفظوه: عُلِمَ أن الملائكة والمسيح عبيدُ٨ الله مُنَفِّذون لأمره، ليسوا أربابًا ولا آلهة.