وقال المسيح لتلامذته: "مَنْ قَبلَكُم١ فقد قَبلَني، ومن قَبلَني فقد قَبِل مَنْ أرسلني"٢. وقال المسيحَ لتلامذته أيضًا: "من أنكرَني قُدَّام الناس أَنكرْتُه قدام ملائكة الله"٣. وقال للذي ضرب عَبْدَ رئيسِ الكهنة: "أغمِدْ سيفك ولا تظنَّ أني لا أستطيع أن أدعوَ الله الأبَ فيقيم لي أكثر من اثني عشر من الملائكة"٤. فهل يقول هذا من هو رب الملائكة وإلههم وخالقهم؟!.
فصل
وإن أوجبتم له الإلهيَّة بما نقلتموه عن إشَعْيَا: "تخرج٥ عصا من بيت نبي، وينبت٦ منها نور، ويحلُّ فيه روح القدس، روح الله، روح الكلمة والفهم، روح الحيل والقوة، روح العلم وخوف الله، وبه يؤمنون وعليه يتوكلون، ويكون لهم التاج والكرامة إلى دهر الداهرين"٧.
قيل لكم: هذا الكلام -بعد المطالبة بصحة نقله عن إشَعْيَا، وصحة الترجمة له باللسان العربي وأنه لم تحرِّفه التراجم- هو حُجَّةٌ على المثلَّثة عُبَّاد الصليب، لا لهم؛ فإنَّه لا يدل على أنَ المسيح خالق السموات والأرض؛ بل يدلُّ على مثل ما دلَّ عليه القرآن، وأنَّ المسيح أُيِّد بروح
(١) في "غ، د، ص": "قتلكم … قتلني … ".
(٢) إنجيل متى: (١٠/ ٤٠).
(٣) إنجيل متى: (١٠/ ٣٣).
(٤) إنجيل متى: (٢٦/ ٥٣ - ٥٤).
(٥) في "ب، ج": "يخرج".
(٦) في "د": "ويخرج".
(٧) سفر إشعياء: (١١/ ١ - ٢).
القدس؛ فإنه قال: ويحل فيه روح القدس روح الله، روح الكلمة والفهم، روح الحيل والقوة، روح الفهم١ وخوف الله. ولم يقل: تحل فيه حياة الله، فضلًا عن أن يحلَّ الله فيه ويتحد به ويتخذ حجابًا من ناسوته. وهذه روح تكون مع الأنبياء والصديقين.
وعندهم في التوراة: "أنَّ الذين كانوا يعملون في قبة الزمان حلَّت فيهم روح الحكمة"٢، وروح الفهم والعلم: هي ما يحصل به الهدى والنصر والتأييد.
وقوله: "هي٣ روح الله" لا تدلُّ على أنها صفته، فضلًا عن أن يكون هو الله!! وجبريل يسمى: روح الله، والمسيح اسمه: روح الله.
والمضاف إلى الله إذا كان ذاتًا قائمة بنفسها فهو إضافة مملوك إلى مالك كبيت الله، وناقة الله، وروح الله، وليس المرادَ به: بيتٌ يسكنُه، ولا ناقةٌ يركَبُهَا، ولا روحٌ قائمة به، وقد قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾[المجادلة: ٢٢]. وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾[الشورى: ٥٢]. فهذه الروح أيَّد بها عبادَهُ المؤمنين.
وأما قوله: [وبه يؤمنون وعليه يتوكلون] فهو عائد إلى الله لا إلى العصا التي نبتت٤ من بيت النبوة.
(١) في "د": "العلم". وهي التي سبقت في الصفحة السابقة.