هداية الحيارى

القدس؛ فإنه قال: ويحل فيه روح القدس روح الله، روح الكلمة والفهم، روح الحيل والقوة، روح الفهم١ وخوف الله. ولم يقل: تحل فيه حياة الله، فضلًا عن أن يحلَّ الله فيه ويتحد به ويتخذ حجابًا من ناسوته. وهذه روح تكون مع الأنبياء والصديقين.

وعندهم في التوراة: "أنَّ الذين كانوا يعملون في قبة الزمان حلَّت فيهم روح الحكمة"٢، وروح الفهم والعلم: هي ما يحصل به الهدى والنصر والتأييد.

وقوله: "هي٣ روح الله" لا تدلُّ على أنها صفته، فضلًا عن أن يكون هو الله!! وجبريل يسمى: روح الله، والمسيح اسمه: روح الله.

والمضاف إلى الله إذا كان ذاتًا قائمة بنفسها فهو إضافة مملوك إلى مالك كبيت الله، وناقة الله، وروح الله، وليس المرادَ به: بيتٌ يسكنُه، ولا ناقةٌ يركَبُهَا، ولا روحٌ قائمة به، وقد قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]. وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]. فهذه الروح أيَّد بها عبادَهُ المؤمنين.

وأما قوله: [وبه يؤمنون وعليه يتوكلون] فهو عائد إلى الله لا إلى العصا التي نبتت٤ من بيت النبوة.

  1. (١) في "د": "العلم". وهي التي سبقت في الصفحة السابقة.
  2. (٢) سفر الخروج: (٣١/ ٢).
  3. (٣) ساقطة من "ص". وهي ليست في النص المنقول آنفًا.
  4. (٤) في "ب، ج": "تنبت".
360

وقد جمع الله سبحانه بين هذين الأصلين في قوله: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الملك: ٢٩]، (فهو عائد إلى الله)١ وقال موسى لقومه: ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤]، وهو كثير في القرآن، وقد أخبر أنه أيده بروح العلم وخوف الله، فجمع بين العلم والخشية. وهما الأصلان اللذان جمع القرآن بينهما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٨].

وفي قول النبي ﷺ: "أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية"٢ وهذا شأن العبد المحض، وأما الإله الحق وربُّ العالمين فلا يلحقه خوف ولا خشية ولا يعبد غيره، والمسيح كان قائمًا بأوراد العبادات لله أتَمَّ القيام!!.

فصل

وإنْ أوجبتم له الإلهيَّة بقول إشَعْيَا: "إنَّ غلامًا وُلِدَ لنا وإننا أعطيناه كذا وكذا، ورياستُه على عاتقيه وبين منكبيه، ويُدعى اسمه ملكًا عظيمًا عجيبًا إلهًا قويًّا مسلَّطًا رئيسًا، قوي السلامة في كل الدهور، وسلطانه كامل ليس له فناء"٣.

قيل لكم: ليس في هذه البشارة ما يدلُّ على أن المراد بها المسيح بوجه من الوجوه، ولو كان المراد بها المسيح لم يدلَّ على مطلوبهم.

  1. (١) ساقط من "ب، ج، ص".
  2. (٢) أخرجه البخاري في الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من التعمق والتنازع في العلم والغلو في الدين: (٩/ ١٧٥) (الطبعة المنيرية).
  3. (٣) سفر إشعياء: (٩/ ٦ - ٧).
361

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي