أما المقام الأول: فدلالتها على محمد بن عبد الله أظهر من دلالتها على المسيح، فإنه هو الذي رياستُه على عاتِقَيْه١ وبين منكبيه من جهتين:
من جهةِ: أنَّ خاتم النبوة على بعض كتفيه٢، وهو من أعلام النبوة التي أخبرت به الأنبياء، وعلامة ختم ديوانهم، ولذلك كان في ظهره.
ومن جهةِ: أنَّه بُعِث بالسيف الذي يتقلَّد به على عاتقه ويرفعه -إذا ضرب به- على عاتقه. ويدلُّ عليه قوله: "رئيس مسلَّط قويُّ السلامة" وهذه صفة محمد ﷺ المؤيَّدِ المنصورِ، رئيس السلامة، فإنَّ دينه الإسلام، ومن اتبعه سَلِمَ٣ مِنْ خِزْي٤ الدنيا ومن عذاب الآخرة، ومن استيلاءِ عدوّه عليه. والمسيحُ لم يسلَّط على أعدائه كما سُلِّط محمد ﷺ بل كان أعداؤه مسلَّطين٥ عليه قاهرين له حتى عملوا به ما عملوا عند المثلِّثةِ عُبَّاد الصليب.
فأين مطابقة هذه الصفات للمسيح بوجه من الوجوه؟! وهي مطابقة لمحمد بن عبد الله ﷺ من كل وجهٍ، وهو الذي سلطانُه كاملٌ، ليس له فناء (إلى آخر الدهر.
فإن قيل: إنكم لا تَدْعونَ محمدًا إلهًا، بل هو عندكم عبدٌ محض؟)٦.
(١) في "ج": "عاتقه".
(٢) في "ج": "أكتافه".
(٣) في "ج": "يسلم".
(٤) في "د": "جزاء".
(٥) في "ج": "متسلطين".
(٦) ما بين القوسين ساقط من "ب".
قيل لهم: نعم واللهِ، إنه لكذلك (عبدٌ محضٌ لله، والعبودية أجلُّ مراتبه)١، واسم "الإله" من جهة التراجم جاء، والمراد به السيِّد المطاع لا الإله المعبود الخالق الرازق.
فصل
وإن أوجبتم له الإلهية من قول إشَعْيَا - فيما زعمتم: "ها هي العذراء تحبل وتلد ابنًا يدعى اسمه عَمَانُويل"٢ وعمانويل كلمة عبرانية تفسيرها بالعربية: "إلهنا معنا" فقد شهد له النبيُّ أنه إله.
قيل لكم: بعد ثبوت هذا الكلام وتفسيره - لا يدلُّ على أن العذراء ولدت ربَّ العالمين وخالق السموات والأرَضِيْن؛ فإنه قال: تلد ابنًا، وهذا دليل على أنه ابنٌ من جملة البنين، ليس هو رب العالمين.
وأما قوله: "ويدعى اسمه عمانويل" فإنما يدل على أنه يسمى بهذا الاسم كما يسمِّي الناسُ أبناءَهم بأنواعٍ من الصفات والأسماء والأفعال والجُمَل المركَّبة من اسمين أو اسم وفعل، وكثيرٌ من أهل الكتاب يُسَمُّون أولادهم: عمانويل.
ومن علمائكم من يقول: المراد بالعذراء هاهنا غير مريم، ويذكر في ذلك قصة، ويدل على هذا: أن المسيح لا يعرف اسمه "عمانويل"، وإن كان ذلك اسمه، فكونُه٣ يُسمَّى: إلهنا معنا، أو بالله حسبي، أو الله وحده، ونحو ذلك (لا يدل على أنه إله)٤.