وقد حرَّف بعضُ المُثَلِّثة عُبَّاد الصليب هذه الكلمة وقال: معناها "الله معنا". وردَّ عليهم بعض من أنصف١ من علمائهم، وحكَّم رشده على هواه، وهداه الله للحق، وبصَّره مِنْ عماه وقال: أهذا هو القائل: "أنا الرب، ولا إله غيري، وأنا أحي وأميت وأخلق وأرزق"٢؟ أم هو القائل لله: "إنك أنت الإله الحقُّ وحدك الذي أرسلت اليسوع المسيح"٣؟!
قال: والأول باطل قطعًا، والثاني هو الذي شهد به الإنجيل، ويجب تصديق الإنجيل وتكذيب مَنْ زعم أنَّ المسيح إله معبود.
قال: وليس المسيح مخصوصًا بهذا الاسم، فإن "عمانويل" اسم تسمِّي به النصارى واليهود أولادهما.
قال: وهذا موجود في عصرنا هذا، ومعنى هذه التسمية بينهم: شريف القدر.
قال: وكذلك السُّرْيَانُ يُسمُّون أولادهم "عمانويل"، والمسلمون وغيرهم يقولون للرجل: الله معك. فإذا سُمِّي الرجل بقوله: "الله معك" كان هذا تَبرُّكًا بمعنى هذا الاسم!!.
فصل
وإن أوجبتم له الإلهيَّة بقول حَبقُّوقَ -فيما حكيتموه عنه-: "إنَّ الله في الأرض يتراءى ويختلط مع الناس ويمشي معهم"٤، ويقول إِرْمِيَا
(١) في "ب، ج": "اتصف".
(٢) سفر التثنية: (٣٢/ ٣٩ - ٤٠).
(٣) إنجيل يوحنا: (١٧/ ٣ - ٤).
(٤) حبقوق: (٣/ ٥).
أيضًا بعد هذا: "الله يظهر في الأرض وينقلب١ مع البشر"٢.
قيل لكم: هذا -بعد احتياجه إلى ثبوت نبوة هذين الشخصين أولًا، وإلى ثبوت هذا النقل عنهما، وإلى مطابقة الترجمة من غير تحريف. وهذه ثلاث مقامات٣ يعزُّ عليكم إثباتها- لا يَدلُّ٤ على أنَّ المسيح هو خالق السموات والأرض، وأنه إله حق ليس بمخلوق ولا مصنوع؛ ففي التوراة ما هو من هذا الجنس وأبلغ، ولم يدلَّ ذلك على أن موسى إله ولا أنه خارج من جملة العبيد!.
وقوله: "يتراءى"٥ مثل قوله: تجلَّى، وظهر، واستعلن، ونحو ذلك من ألفاظ التوراة وغيرها من الكتب الإلهية. وقد ذكر في التوراة "أن الله تجلَّى وتراءَى لإبراهيم وغيره من الأنبياء" ولم يدل ذلك على الإلهيَّة لأحدٍ منهم، ولم يزل في عرف الناس ومخاطبتهم أن يقولوا: فلان معنا، وهو بين أظهرنا ولم يمت. إذا كان عمله وسُنَّتُه وسيرته بينهم، ووصاياه يُعْمل بها بينهم. وكذلك يقول القائل لمن مات والده: ما مات من خلَّف مثلك، وأنا والدك. وإذا رأوا تلميذًا لعالم تعلَّم عِلْمَه قالوا: هذا فلان باسم أُستاذه. كما كان يقال عن عكرمة: هذا ابن عباس، وعن أبي حامدٍ: هذا الشافعيُّ. وَإِذا بعث الملك نائبًا يقوم مقامه في بلد قال الناس: جاء المَلِك، وحكم الملك، ورسم الملك.