أيضًا بعد هذا: "الله يظهر في الأرض وينقلب١ مع البشر"٢.
قيل لكم: هذا -بعد احتياجه إلى ثبوت نبوة هذين الشخصين أولًا، وإلى ثبوت هذا النقل عنهما، وإلى مطابقة الترجمة من غير تحريف. وهذه ثلاث مقامات٣ يعزُّ عليكم إثباتها- لا يَدلُّ٤ على أنَّ المسيح هو خالق السموات والأرض، وأنه إله حق ليس بمخلوق ولا مصنوع؛ ففي التوراة ما هو من هذا الجنس وأبلغ، ولم يدلَّ ذلك على أن موسى إله ولا أنه خارج من جملة العبيد!.
وقوله: "يتراءى"٥ مثل قوله: تجلَّى، وظهر، واستعلن، ونحو ذلك من ألفاظ التوراة وغيرها من الكتب الإلهية. وقد ذكر في التوراة "أن الله تجلَّى وتراءَى لإبراهيم وغيره من الأنبياء" ولم يدل ذلك على الإلهيَّة لأحدٍ منهم، ولم يزل في عرف الناس ومخاطبتهم أن يقولوا: فلان معنا، وهو بين أظهرنا ولم يمت. إذا كان عمله وسُنَّتُه وسيرته بينهم، ووصاياه يُعْمل بها بينهم. وكذلك يقول القائل لمن مات والده: ما مات من خلَّف مثلك، وأنا والدك. وإذا رأوا تلميذًا لعالم تعلَّم عِلْمَه قالوا: هذا فلان باسم أُستاذه. كما كان يقال عن عكرمة: هذا ابن عباس، وعن أبي حامدٍ: هذا الشافعيُّ. وَإِذا بعث الملك نائبًا يقوم مقامه في بلد قال الناس: جاء المَلِك، وحكم الملك، ورسم الملك.
(١) في "ب، ج": "يتقلب".
(٢) إرميا: (١٤/ ٩).
(٣) في "ب، ج": "مقالات".
(٤) في "ب": "تدل".
(٥) في "ج": "يتزايى".
وفي الحديث الصحيح١ الإلهيِّ: "يقولُ الله ﷿ يَوْمَ القِيَامَةِ: عبدي! مَرِضتُ فلم تَعُدْنِي، فيقولُ: يا ربِّ كيف أَعُودُكَ وأنتَ ربُّ العالمِيْنَ؟! قال: أما إنَّ عَبْدِي فُلانًا مَرِضَ فلم تَعُدْهُ، أمَا لو عُدْتَه لوَجَدْتَنِي عندَه. عَبْدِي! جُعْتُ فلم تُطْعِمْنِي، فيقول: ربِّ كيف أُطْعِمُك وأنت ربُّ العالمين!! قال: أما علمتَ أنَّ عبدي فلانًا اسْتَطْعَمَكَ فلم تُطْعِمْهُ، أما لو أطْعَمْتَه لوجدتَ ذلك عندي. عَبْدِي! اسْتَسْقَيْتُكَ فلم تَسْقِنِي، فيقولُ: ربِّ كيف أَسْقِيْك وأنتَ ربُّ العالمين؟! فيقول: أما إنَّ عبدي فلانًا عَطِشَ فَاسْتَسْقَاكَ فلم تَسْقِهِ، أما لو سَقَيْتَهُ لوجَدْتَ ذلك عندي"٢.
وأبْلَغُ من هذا٣: قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾[الفتح: ١٠]. ومن هذا قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾[النساء: ٨٠].
فلو استحلَّ المسلمون ما استحللتم، لكان اسْتِدْلَالُهم٤ بذلك على أن محمدًا إله من جنس استدلالكم لا فرق بينهما٥!!.
فصل
وإن أوجبتم له الإلهيَّة بقوله في السفر الثالث من أسفار الملوك: "والآن يا ربَّ إله إسرائيل ليتحقق كلامك لداود، لأنه حقٌّ أن يكون أنه
(١) في "ج": "الشريف".
(٢) أخرجه مسلم في البر والصلة، باب فضل عيادة المريض: (٤/ ١٩٨٩).