لا يجوز أن تأتيَ شريعةٌ بخلافه، ولا يخبرَ نبيٌّ بخلافه أصلًا، فَتَرَك المُثلِّثة عُبَّادُ الصليب هذا كلَّه، وتمسَّكوا بالمتشابهِ من المعانى، والمُجْمَلِ من الألفاظ، وأقوالِ من ضلُّوا من قَبْلُ، وأضَلُّوا كثيرًا وضلُّوا عن سواء السبيل.
وأصولُ المثلِّثة ومقالتُهم في ربِّ العالمين تخالِفُ هذا كلَّه أشدَّ المخالفة وتبايِنُه أعْظَمَ المبايَنَةِ.
فصل
في أنه لو لم يظهر محمد بن عبد الله ﷺ لبطلت نبوة سائر الأنبياء.
فظهورُ نبوته تصديقٌ لنبواتهم، وشهادةٌ لها بالصدق١، فإرسالُه من آيات الأنبياء قَبْلَه. وقد أشار -سبحانه- إلى هذا المعنى بعينه في قوله: ﴿بَلْ جَاَءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾[الصافات: ٣٧]. فإن المرسلين بشَّروا به وأخبروا بمجيئه، فمجيئه هو نفس (صدق خبرهم)٢، فكان مجيئه تصديقًا لهم؛ إذْ هو تأويل ما أخبروا به. ولا تنافي بين هذا وبين القول الآخر: إنَّ تصديقَه المرسلين شهادتُه بصِدْقِهم٣ وإيمانُه بهم، فإنه صدَّقهم بقوله ومجيئه، فشهد بصِدْقِهم بنفس مجيئهِ، وشهد بصدقهم٤ بقوله.
بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]، فإن التوراة لما بشَرتْ به وبنبوته كان نَفْسُ ظهورِه تصديقًا لها، ثم بشَّر برسولٍ يأتي مِن بعده؛ فكان ظهورُ الرسول١ المبشَّر به تصديقًا له، كما كان ظهوره تصديقًا للتوراة. فعادة الله في رسله أنَّ السابق يبشِّر باللَّاحِقِ، واللَّاحِقِ يصدِّق السابقَ.
فلو لم يظهر٢ محمد بن عبد الله ولم يبعث: لَبَطَلَتْ نبوةُ الأنبياء قبله.
والله سبحانه لا يخلف وَعْدَه ولا يكْذِبُ خَبَرُه. وقد كان بشَّر إبراهيمَ وهَاجَرَ بشاراتٍ بيِّناتٍ، ولم نرها تَمَّتْ ولا ظهرتْ إلا بظهور رسول الله ﷺ فقد بُشِّرت به هاجر من ذلك بما لم تبشَّر به امرأةٌ من العالمين غير مريم ابنة عمران بالمسيح، على أنَّ مريم بُشِّرت به مرةً واحدة، وبُشِّرت هاجر بإسماعيل مرتين، وبُشِّر به إبراهيم مرارًا، ثم ذكر الله -سبحانه- هاجر٣ بعد وفاتها كالمخاطِب لها على ألسنة الأنبياء.
ففي التوراة: "إن الله تعالى قال لإبراهيم: قد أجبتُ دعاءك في إسماعيل، وباركتُ عليه، وكبَّرته، وعظَّمته (جدًّا جدًّا، وسيلد ابنًا عظيمًا، وأجعل له أمة عظيمة")٤٥.
هكذا في ترجمة بعض المترجمين وأما في الترجمة التي ترجمها اثنان وسبعون حبرًا من أحبار اليهود فإنه يقول: "وسيلد اثني عشر أمةً من