بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]، فإن التوراة لما بشَرتْ به وبنبوته كان نَفْسُ ظهورِه تصديقًا لها، ثم بشَّر برسولٍ يأتي مِن بعده؛ فكان ظهورُ الرسول١ المبشَّر به تصديقًا له، كما كان ظهوره تصديقًا للتوراة. فعادة الله في رسله أنَّ السابق يبشِّر باللَّاحِقِ، واللَّاحِقِ يصدِّق السابقَ.
فلو لم يظهر٢ محمد بن عبد الله ولم يبعث: لَبَطَلَتْ نبوةُ الأنبياء قبله.
والله سبحانه لا يخلف وَعْدَه ولا يكْذِبُ خَبَرُه. وقد كان بشَّر إبراهيمَ وهَاجَرَ بشاراتٍ بيِّناتٍ، ولم نرها تَمَّتْ ولا ظهرتْ إلا بظهور رسول الله ﷺ فقد بُشِّرت به هاجر من ذلك بما لم تبشَّر به امرأةٌ من العالمين غير مريم ابنة عمران بالمسيح، على أنَّ مريم بُشِّرت به مرةً واحدة، وبُشِّرت هاجر بإسماعيل مرتين، وبُشِّر به إبراهيم مرارًا، ثم ذكر الله -سبحانه- هاجر٣ بعد وفاتها كالمخاطِب لها على ألسنة الأنبياء.
ففي التوراة: "إن الله تعالى قال لإبراهيم: قد أجبتُ دعاءك في إسماعيل، وباركتُ عليه، وكبَّرته، وعظَّمته (جدًّا جدًّا، وسيلد ابنًا عظيمًا، وأجعل له أمة عظيمة")٤٥.
هكذا في ترجمة بعض المترجمين وأما في الترجمة التي ترجمها اثنان وسبعون حبرًا من أحبار اليهود فإنه يقول: "وسيلد اثني عشر أمةً من
(١) في "ج": "الرسل".
(٢) في "غ، ص": "يكن".
(٣) ليست في "ج".
(٤) ما بين القوسين ساقط من "ب، ج".
(٥) سفر التكوين: (١٧/ ١٨ - ٢٠).
الأمم"١. وفيها: "لما هربت هاجر من سارة تراءى لها مَلَك الله، وقال: يا هَاجَرُ (أمةَ سارة!)٢ مِنْ أين أقبلت؟ وإلى أين تذهبين؟! قالت: هربت من سيدتي. فقال لها الملك: ارجعي إلى سيدتك واخضعي لها، فإني سأكثِّر ذريَّتك وزَرْعَك حتى لا يُحْصَون كثرةً، وها أنت تحبلين وتلدين ابنًا تسمِّينه إسماعيل، لأنَّ الله قد سمع بذلك خشوعك، وهو يكون عين الناس، وتكون يَدُه فوق الجميع، ويَدُ الجميعِ مبسوطةٌ إليه بالخضوع، ويكون مَسْكَنُه على تُخُوم جميع إخوته"٣.
وفي موضع آخر قصة إسكانها وابنها إسماعيل في بَرِّيَّة فاران، وفيها: "فقال لها المَلَكُ: يا هاجر ليفرح روعك فقد سمع الله تعالى صوت الصبيِّ، قومي فَاحْمِلِيْه وتمسَّكي به؛ فإن الله جاعِلُه لأمةٍ عظيمةٍ، وإنّ الله فتح عليها. فإذا ببئر ماء، فذهبتْ وملأت المزادة٤ منه وسقت الصبيَّ منه، وكان الله معها ومع الصبي حتى تربَّى، وكان مسكنه٥ في بَرِّيَّةِ فَارَانَ"٦.
فهذه أربع بشارات خالصة٧ لأم إسماعيل؛ نزلت اثنتان منها على إبراهيم، واثنتان على هاجر.