من السنين، أُخْبِرْتُم عن منام رُئي فأسرعتم إلى تصديقه. وكان الأَوْلى لمن كفر بالقرآن أن ينكر وجود عيسى في العالم؛ لأنه لا يَقْبَل قَوْلَ اليهود فيه، ولاسيَّما وهم أعظم أعدائه الذين رَمَوه وأمَّه١ بالعظائم، فأخبارُ المسيح والصليب إنما شيوخُكم فيها اليهود، وهم فيما بينهم مختلفون في أمره أعْظَمَ اختلافٍ، وأنتم مختلفون معهم في أمره!
فاليهود تزعم أنَّهم حين أخذوه حَبَسُوه في السجن أربعين يومًا، وقالوا: ما كان لكم أن تحبسوه أكثر من ثلاثة أيام ثمَّ تقتلوه٢ إلا أنَّه كان يعضده أحد قواد الروم، لأنه كان يُدَاخِلُه في صناعة الطبِّ عندهم.
وفي (الأناجيل التي)٣ بأيديكم: "أنَّه أُخِذ صبح يوم الجمعة وصُلِبَ في الساعة التاسعة من اليوم بعينه"٤. فمتى تتوافقون مع اليهود في خبره. واليهود مجمعون٥ أنَّه لم يظهر له معجزة ولا بَدَتْ منه لهم آيةٌ غير أنَّه طار يومًا وقد هموا بأخذه فطار على أثره آخر منهم، فَعَلاه في طيرانه، فسقط إلى الأرض بزعمهم؟!
وفي الإنجيل الذي بأيديكم -في غير موضع- ما يشهد أنَّه لا معجزةَ له ولا آية!! فمن ذلك أن فيه منصوصًا: "أن اليهود قالوا له يومًا: ماذا تفعل حتى تنتهي به إلى أمر الله تعالى؟ فقال: أمر٦ الله أن تؤمنوا
(١) ساقط من "غ، ص".
(٢) في "ج": "قتلوه".
(٣) في "ج": "الإنجيل الذي".
(٤) إنجيل متى: (٢٧/ ٤٥).
(٥) في "غ": "مجمعة".
(٦) في "غ، ص": "أمن".
بمن بعثه، فقالوا له: وما آيَتُكَ التي تُرِيْنَا ونؤمن بك، وأنت تعلم أن آباءنا قد أكلوا المنَّ والسَّلوى بالمفاوز؟ قال: إن كان أطعمكم موسى خبزًا فأنا أطعمكم خبزًا سماويًّا"١ يريد: نعيم الآخرة. فلو عرفوا له معجزةً ما قالوا ذلك.
وفي الإنجيل الذي بأيديكم أن اليهود قالت له: "ما آيتك التي نُصَدِّقك بها؟ قال: اهدموا البيت أبْنِيه لكم في ثلاثة أيام"٢.
فلو كانت اليهود تعرفُ له آيةً لم تَقُلْ هذا. ولو كان قد أظهر لهم معجزةً لذكَّرهم بها حينئذ.
وفي الإنجيل الذي بأيديكم أيضًا: "أنهم جاءوا يسألونه (آية فقذفهم)٣، وقال: إن القبيلةَ الفاجرةَ الخبيثةَ تطلب آيةً فلا تُعْطَى ذلك"٤.
وفيه أيضًا: "أنهم كانوا يقولون له -وهو على الخشبة بظنِّكم-: إن كنت المسيح فأنْزِلْ نَفْسَك فنؤمن بك - يطلبون منه بذلك آية. فلم يفعل"٥.
فإذا كفرتم -مَعَاشِرَ المثلِّثة عُبَّادَ الصليب- بالقرآن لم يتحقَّقْ لعيسى ابنِ مريمَ آيةٌ ولا فضيلةٌ، فإنَّ أخباركم عنه وأخبار اليهود لا يلتفت إليها