بمن بعثه، فقالوا له: وما آيَتُكَ التي تُرِيْنَا ونؤمن بك، وأنت تعلم أن آباءنا قد أكلوا المنَّ والسَّلوى بالمفاوز؟ قال: إن كان أطعمكم موسى خبزًا فأنا أطعمكم خبزًا سماويًّا"١ يريد: نعيم الآخرة. فلو عرفوا له معجزةً ما قالوا ذلك.
وفي الإنجيل الذي بأيديكم أن اليهود قالت له: "ما آيتك التي نُصَدِّقك بها؟ قال: اهدموا البيت أبْنِيه لكم في ثلاثة أيام"٢.
فلو كانت اليهود تعرفُ له آيةً لم تَقُلْ هذا. ولو كان قد أظهر لهم معجزةً لذكَّرهم بها حينئذ.
وفي الإنجيل الذي بأيديكم أيضًا: "أنهم جاءوا يسألونه (آية فقذفهم)٣، وقال: إن القبيلةَ الفاجرةَ الخبيثةَ تطلب آيةً فلا تُعْطَى ذلك"٤.
وفيه أيضًا: "أنهم كانوا يقولون له -وهو على الخشبة بظنِّكم-: إن كنت المسيح فأنْزِلْ نَفْسَك فنؤمن بك - يطلبون منه بذلك آية. فلم يفعل"٥.
فإذا كفرتم -مَعَاشِرَ المثلِّثة عُبَّادَ الصليب- بالقرآن لم يتحقَّقْ لعيسى ابنِ مريمَ آيةٌ ولا فضيلةٌ، فإنَّ أخباركم عنه وأخبار اليهود لا يلتفت إليها
(١) إنجيل يوحنا: (٦/ ٢٩ - ٣٠).
(٢) إنجيل يوحنا: (٢/ ١٨ - ٢٠).
(٣) في "ج": "أنَّه يصدقهم".
(٤) إنجيل متى: (١٦/ ٤).
(٥) إنجيل مرقس: (١٥/ ٢ - ٥).
لاختلافكم في شأنه أشد الاختلاف وعدم تيقنكم١ لجميع أمره.
وكذلك٢ اجتمعت اليهود على أنَّه لم يدَّع شيئًا من الإلهية التي نسبتم إليه أنَّه ادَّعاها، وكان أقصى مرادهم أن يدَّعي ذلك فيكون أبلغ في تسلطهم عليه، وقد ذُكر السبب في استفاضة ذلك عنه، وهو أن أحبارهم وعلماءهم لما مضى وبقي ذكره خافوا أن تصير عامتهم إليه إذْ كان على سنن تقبله قلوب الذين لا غرض لهم، فشنعوا عليه أمورًا كثيرة، ونسبوا إليه دعوى الإلهيَّة تزهيدًا للناس في أمره.
ثم إنَّ اليهود عندهم من الاختلاف في أمره ما يدلُّ على عدم تيقُنِهم٣ بشيء من أخباره؛ فمنهم من يقول: إنه كان رجلًا منهم ويعرفون أباه وأمه ويَنْسُبُونه لزانية٤! -وحاشاه وحاشى أمَّه الصدِّيقة الطاهرة البَتُول التي لم يَقْرَعْها فَحْلٌ قط قاتلهم الله أنَّى يُؤْفَكُونَ- ويسمُّون أباه الزاني البنديرا الرُّوميَّ، وأمَّه مريم المَاشِطَة، ويزعمون أنَّ زوجها يوسف بن يهودا وجد البنديرا عندها على فراشها، وشعر٥ بذلك، فهَجَرَها وأنْكَرَ ابنها.
ومن اليهود من رغب عن هذا القول وقال: إنما أبوه يوسف بن يهودا الذي كان زوجًا لمريم، ويذكرون أن السبب في استفاضة اسم الزنيم عليه٦: أنه بينما هو يومًا مع معلِّمه يهشوع بن برخيا وسائر التلاميذ