هداية الحيارى

لاختلافكم في شأنه أشد الاختلاف وعدم تيقنكم١ لجميع أمره.

وكذلك٢ اجتمعت اليهود على أنَّه لم يدَّع شيئًا من الإلهية التي نسبتم إليه أنَّه ادَّعاها، وكان أقصى مرادهم أن يدَّعي ذلك فيكون أبلغ في تسلطهم عليه، وقد ذُكر السبب في استفاضة ذلك عنه، وهو أن أحبارهم وعلماءهم لما مضى وبقي ذكره خافوا أن تصير عامتهم إليه إذْ كان على سنن تقبله قلوب الذين لا غرض لهم، فشنعوا عليه أمورًا كثيرة، ونسبوا إليه دعوى الإلهيَّة تزهيدًا للناس في أمره.

ثم إنَّ اليهود عندهم من الاختلاف في أمره ما يدلُّ على عدم تيقُنِهم٣ بشيء من أخباره؛ فمنهم من يقول: إنه كان رجلًا منهم ويعرفون أباه وأمه ويَنْسُبُونه لزانية٤! -وحاشاه وحاشى أمَّه الصدِّيقة الطاهرة البَتُول التي لم يَقْرَعْها فَحْلٌ قط قاتلهم الله أنَّى يُؤْفَكُونَ- ويسمُّون أباه الزاني البنديرا الرُّوميَّ، وأمَّه مريم المَاشِطَة، ويزعمون أنَّ زوجها يوسف بن يهودا وجد البنديرا عندها على فراشها، وشعر٥ بذلك، فهَجَرَها وأنْكَرَ ابنها.

ومن اليهود من رغب عن هذا القول وقال: إنما أبوه يوسف بن يهودا الذي كان زوجًا لمريم، ويذكرون أن السبب في استفاضة اسم الزنيم عليه٦: أنه بينما هو يومًا مع معلِّمه يهشوع بن برخيا وسائر التلاميذ

  1. (١) في "ج": "يقينكم".
  2. (٢) في "ب، ج": "ولذلك".
  3. (٣) في "ج": "يقينهم".
  4. (٤) في "ب، ج": "لزنية".
  5. (٥) في "غ": "وسعد".
  6. (٦) أي على عيسى ﵇.
378

(في سفر، فنزلوا)١ موضعًا، فجاءت امرأةٌ من أهله وجعلت تبالغ في كرامتهم، فقال يهشوع: ما أحسن هذه المرأة؟! يريد أفعالها، فقال عيسى -بزعمهم-: لولا عَوَرُ٢ في عينها، فصاح يهشوع وقال له: يا ممزار -ترجمته: يا زَنِيم- أتَزْنِي بالنَّظر؟! وغضب غضبًا شديدًا، وعاد إلى بيت المقدس وحرَّم اسمه ولعنه في أربعمائة قرن، فحينئذ لحق ببعض٣ قُوَّاد الروم وداخله بصناعة الطبِّ، فَقَوِيَ بذلك على اليهود وهم يومئذ في ذِمَّة قيصر تباريوش٤، وجعل يخالف حكم التوراة ويستدرك عليها ويُعْرض عن بعضها إلى أن كان من أمره ما كان.

وطوائف من اليهود يقولون غير هذا، ويقولون: إنه كان يلاعب الصِّبْيان بالكرة، فوقعت لهم بين جماعة من مشايخ اليهود، فضَعُف الصِّبْيان عن استخراجها من بينهم حياءً من المشايخ، فقَوِي عيسى وتخطَّى رقابهم وأخذها، فقالوا له: ما نظنُّك إلا زَنِيمًا.

ومن اختلاف٥ اليهود في أمره: أنهم يسمُّون أباه -بزعمهم- الذي كان خَطَب مَرْيمَ: يوسفَ بنَ يهودا النجَّار. وبعضهم يقول: إنما هو يوسف الحدَّاد. والنَّصارى تزعم أنها كانت ذاتَ بَعْلٍ وأنَّ زَوْجَها يوسفُ بنُ يعقوب. وبعضهم يقول: يوسف بن هالي٦. وهم يختلفون أيضًا في آبائه وعددهم إلى إبراهيم، فمن مُقِلٍّ ومن مُكْثِر.

  1. (١) في "د": "فنزلوا في سفر".
  2. (٢) في "ب، ج": "عمش"، وفي "غ، ص": "عمى".
  3. (٣) ساقطة من "ب".
  4. (٤) في لوقا: "طباريوس".
  5. (٥) في "د": "أخلاق".
  6. (٦) في "د": "آل".
379

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي