هداية الحيارى

واحدًا وخالقًا واحدًا، ورازقًا واحدًا، وحبلت به مريم وولدته، وأُخِذ وصُلِب وأَلِمَ ومات ودُفِن، وقام بعد ثلاثة أيام وصَعِدَ إلى السماء. وجلس عن يمين أبيه.

قالوا: والذي ولدته مريم وعَايَنَهُ الناسُ وكان بينهم: هو الله، وهو ابن الله، وهو كلمة الله، فالقديمُ الأَزَليُّ خالق السموات والأرض هو الذي حبلت به مريم، وأقام هناك تسعةَ أشهرٍ، وهو الذي وُلِدَ ورَضَع وفُطِم، وأكل وشَرِب، وتغوَّط، وأُخِذ وصُلِب وشُدَّ بالحبال وسُمِرَتْ يداه.

ثم اختلفوا: فقالت اليعقوبية -أتباع يعقوب البَرَادعيِّ ولقب بذلك لأنَّ لباسه كان من خرق بَرَادِع الدوابِّ يَرْقَعُ بعضَها ببعضٍ ويلبسها-: إنَّ المسيح طبيعةٌ واحدة منَ طبيعتين: "إحداهما" طبيعة الناسوت، "والأخرى" طبيعة اللاهوت.

وأنَّ هاتين الطبيعتين تَرَكَّبتَا فصار إنسانًا واحدًا، وجوهرًا واحدًا، وشخصًا واحدًا. (فهذه الطبيعة الواحدة والشخص الواحد)١ هو المسيح، وهو إلهٌ كلُّه، وإنسانٌ كلُّه، وهو شخص واحد، وطبيعة واحدة من طبيعتين.

وقالوا: إنَّ مريم ولدتِ اللهَ، وإنَّ الله -سبحانه- قُبِضَ عليه وصُلِب، وسُمِرَ ومات، ودُفِنَ ثم عاش بعد ذلك.

وقالت "الملكية"٢ -وهم الروم نسبة إلى دين الملِك لا إلى رجل

  1. (١) ساقط من "ج".
  2. (٢) في "غ، ص": "الملكائية".
381

يدعى ملكانا١ هو صاحب مقالتهم كما يقوله بعض من لا علم له بذلك-: إنَّ الابن الأزَلِيَّ الذي هو الكلمةُ تجسَّدت من مريم تجسُّدًا كاملًا كسائر أجساد الناس، ورُكِّبت في ذلك الجسد نفسًا كاملة بالعقل والمعرفة والعلم كسائر أنفس الناس، وأنه صار إنسانًا بالجسد والنفس اللَّذَيْن هما من جوهر الناس، وإلهًا بجوهر اللَّاهوت كمثل أبيه لم يزل، وهو إنسان بجوهر الناس مثل إبراهيمَ وموسى وداود، وهو شخص واحدٌ لم يزد عدده، وثبت له جوهر اللَّاهوت كما لم يزل، وصحَّ له جوهر الناسوت الذي لَبِسَه ابنُ مريم، وهو شخص واحد -لم يزد عدده- وطبيعتان، ولكلِّ واحدةٍ من الطبيعتين مَشِيئةٌ كاملة، فله بلاهوته مشيئةٌ مِثْلُ الأب، وله بناسوته مشيئةٌ كمشيئة إبراهيم وداود.

وقالوا: إن مريم ولدت "المسيح"، وهو اسم يجمع اللَّاهوتَ والنَّاسوتَ، وقالوا: إن الذي مات هو الذي ولدته مريمُ، وهو الذي وقع عليه الصلب والتسمير والصَّفْع والرَّبْطُ بالحبال٢. واللَّاهوتُ لم يمت، ولم يَأْلَمْ ولم يُدْفَن.

قالوا: وهو إلهٌ تام بجوهر لَاهُوتِهِ، وإنسانٌ قائم بجوهر نَاسُوتِه، وله المشيئتان: مشيئة اللَّاهوت، ومشيئة النَّاسوت. فَأَتَوا بمثل ما أتى به اليعقوبيةُ من أنَّ مريم ولدت الإلهَ إلا أنهم -بزعمهم- نزَّهوا الإله عن الموت.

وإذا تدبَّرت قولهم وجدتَهُ -في الحقيقة- هو قولُ اليعقوبيَّة مع تنازعهم فيه وتناقضهم فيه، فاليعقوبية أطْرَدُ لكفرهم لفظًا ومعنىً.

  1. (١) في "غ، ص": "ملكايا".
  2. (٢) في "غ": "بالجبل".
382

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي