هداية الحيارى

ذلك وردوه١.

علاقة الإسلام بالأديان الأخرى:

عرفنا فيما سبق أن الإسلام بمعناه العام هو دين الأنبياء جميعًا، عليهم الصلاة والسلام، فإذا أخذنا كلمة الإسلام بهذا المعنى "نجدها لا تدع مجالًا للسؤال عن العلاقة بين الإسلام وبين سائر الأديان السماوية، إذ لا يُسأل عن العلاقة بين الشيء ونفسه، فهنا وحدة لا انقسام فيها ولا اثنينية".

ولكن السؤال هنا عن الإسلام بمعناه الخاص، وهو الدين الذي أنزله الله تعالى على محمد ﷺ، أي العلاقة بين المحمدية وبين الموسوية والمسيحية:

وللإجابة على هذا السؤال ينبغي أن نقسم البحث إلى مرحلتين٢:

المرحلة الأولى: في علاقة الشريعة المحمدية بالشرائع السماوية السابقة، وهي في صورتها الأولى لم تبعد عن منبعها، ولم يتغير فيها شيء بفعل الزمان ولا بيد الإنسان.

  1. (١) انظر: "إظهار الحق"، ص (٥١١ - ٥١٨)، "الفصل في الملل والأهواء والنحل" لابن حزم: ٢/ ٦٩ - ٧٥.
  2. (٢) عن (الدين) للدكتور محمد عبد الله دراز ١٧٥ - ١٧٦، وعنه لخصنا هذه الفقرة بكاملها، وهي في أصلها بحث أعده ﵀ لإلقائه في الندوة العالمية للأديان التي عقدت في لاهور بالباكستان في جمادى الآخرة سنة ١٣٧٧ هـ وانظر في تقويم هذه الندوة، وندوة أخرى عقدت في أعقابها في كراتشي: ثلاث مقالات للشيخ محمد أبي زهرة في مجلة لواء الإسلام، السنة الثالثة عشرة.
50

وهنا يعلمنا القرآن الكريم: أن كل رسول يرسل، وكل كتاب ينزل، قد جاء مصدقًا ومؤكدًا لما قبله، فالإنجيل مصدِّق ومؤيد للتوراة، والقرآن مصدِّق ومؤيد للإنجيل والتوراة، ولكل ما بين يديه من الكتاب. إذ هناك تشريعات خالدة لا تتبدل ولا تتغير بتغير الأصقاع والأوضاع. وهناك تشريعات أخرى جاءت موقوتة بآجالٍ طويلة أو قصيرة، فهذه تنتهي بانتهاء وقتها، وتجئ الشريعة التالية بما هو أوفق وأرفق بالأوضاع الناشئة الطارئة. وقد جاء القرآن الكريمِ فغيّر الله تعالى فيه بعض الأحكام التي جاءت في التوراة والإنجيل، وقوفًا بها عند وقتها المناسب وأجلها المقدّر لها في علم الله ﷾، وما كان فيها من الأحكام صحيحًا موافقًا لقواعد السياسة الدينية لا يغيّره، بل يدعو إليه ويحث عليه. وما كان سقيمًا قد دخله التحريف فإنه يغيره بقدر الحاجة، وما كان حريًا أن يزاد فإنه يزيده على ما كان في الشرائع السابقة١.

وعلى هذا، فإن الإسلام قد اعترف بالشرائع السابقة كما نزلت على الرسل السابقين، على أنها شرائع، وديانات توحيد في الذات والصفات والألوهية، فالله ﷾ واحد أحد، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وهو المتفرد بالعبادة، وهو الخالق لكل شيء، العليم بكل شيء، السميع البصير اللطيف الخبير، الموصوف بكل صفات الكمال المنزه عن كل صفات النقص.

فالنصرانية التي اعترف بها القرآن الكريم هي التي تعتبر المسيح ﵇ عبدًا لله ورسولًا من عنده، ليس إلهًا ولا ابن إله، وهي التي يقول

  1. (١) "حجة الله البالغة" للدهلوي (١/ ٩٠ - ٩١، و١٢٢ - ١٣٣).
51

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي